الدخان العظيم

|
.. في الثالث من ديسمبر حدث أمر عظيم في لندن، البعض قال إن مآسيه وتوابعه الكارثية كانت أعمق تأثيرا من الحرب مع النازي. وقتها كانت بريطانيا حافلة بأحداث غيرت تاريخها، فالذي على سدة الحكومة هو بطل بريطانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والسياسي المحنك، ونستون تشرتشل، وهو ذو شخصية غرائبية متفردة في العبقرية، وفي الشر والخير، في القسوة الشديدة والعاطفة الرقيقة، في الدهاء، والحكمة، وفي الثورة والحلم، وفي الطيش والتأني.. كما أنه ظاهرة صحية يعرفها الأطباء باسم "ظاهرة تشرتشل"، فقد كان يمارس ويقع عليه كل ما يحذر منه الكتاب الطبي في الصحة العامة. كان مدخنا أسطوريا لا يقع السيجار من فمه حتى وهو نائم وهذا يؤدي إلى سرطانات منها سرطان الفم أو الرئة، وكان كحوليا مدمنا وهذا يؤدي إلى تليف كبدي قاتل، وكان لا ينام إلا ساعات قليلة يجهد نفسه في العمل، كما تعرض لأكثر الضغوط النفسية الممكن أن تحصل لأي إنسان في حياة واحدة على الصعيد الشخصي في العلاقات، وفي الضغوط الاجتماعية والسياسية، والضغوط الهائلة في حرب عالمية، والقائمة لا تنتهي؛ ومع ذلك عاش حتى كاد أن يعمر قرنا كاملا. ووقتها كان الملك جورج قد توفي حديثا، وخلفته ملكة على الإمبراطورية البريطانية ابنته الملكة إليزابيث الشابة (الملكة الحالية) وكان أهم ما في أجندتها التخلص من العجوز الخطير تشرتشل ليستبدل برئيس وزراء أصغر سنا وأقل تعجرفا وعنادا. نعود للحدث العظيم الذي حل على العاصمة البريطانية. في الثالث من ديسمبر كما أسلفت من عام 1952 حتى نهاية اليوم التاسع منه، غطى كامل لندن ضباب عجيب، من كثافته سمي "البطانية الثقيلة" كما سمي "الدخان العظيم"، ويقال إنه نتج من حرق كميات عظيمة من الفحم ليوهم تشرتشل الناس أن الاقتصاد البريطاني بعافية، أو هذا ما روجه خصومه ضده. ذلك الضباب الثقيل عطل لندن، أوقف المواصلات إلا قليلا من النقل العام، ولأن الشرطة لم يكونوا ليروا أبعد من سنتمترات تفجرت الجرائم والسرقات في كل أنحاء لندن. وامتلأت المستشفيات بآلاف المختنقين بضيق التنفس، وكانت النتيجة مريعة حتى يقال إنها حصدت عشرة آلاف روح، وأعداد لا تحصى من المرضى. في مسلسل وثائقي اسمه "التاج" يقترح مخرج المسلسل شخصية مؤثرة (البعض قال إنها حقيقية وأنا أميل إلى ذلك، والبعض قال إنه مبالغ فيها من أجل العمل التراجيدي الفني) هذه الشخصية هي الفتاة الجميلة "فينيشيا سكوت"، فتاة بروح الشباب المتقد، وكأن شعلة من الطاقة والطموح بداخلها، وكانت تناقش تشرتشل الرجل الوحش الذي لا يجرؤ موظفوه على رفع أعينهم أمامه. وتشرتشل أعجب بها خصوصا أنه يؤمن بالشباب ودور الشباب (لكن لمّا يأتي له هو..لا!)المهم قيل إن تشرتشل لم يعمل شيئا ليزيل عن كاهل البريطانيين مشاكل الضباب، وكان يصر على أنه أمر إلهي ولا حيلة له به، ولم يكن يقبل مناقشته قطعا واهتم بمواضيع جانبية أخرى. "فينيشيا" وهي تصر أن تأتي للعمل رغم الضباب، عبرت الشارع وهي بالكاد ترى وفجأة من قلب الضباب تخرج حافلة فتصدمها.. وتموت. يتأثر تشرتشل ويذهب لرؤية جثتها في المستشفى ودمعت عيناه وهو يقول: "كل هذا الجمال، كل هذه الطاقة، هذه الشعلة الشابة.. انطفأت". ثم إنه قرر أن يعود عن رأيه، ويأمر بملايين الجنيهات لأدوية وأجهزة وطواقم بشرية مدربة لمواجهة عواقب الضباب. كل ما في القصة، وأهم ما فيها.. أن المسؤول الكبير والأول إن لم ينزل مع الناس ويلمس مشاكلهم، فلن ينفع الناس ولن يحل مشاكلهم، حتى لو حاول وهو معزول عنهم.. بدخان كثيف.
إنشرها