عندما تلتقي الطموحات فإن الرؤى تتفق، واليوم تمتلك المملكة رؤية واضحة جدا لمستقبلها، اقتصاديا وسياسيا، وأمنيا، رؤية تم شرحها بوضوح وشفافية عالية للشركاء داخليا وخارجيا، ولهذا فإن العالم المتحضر يحترم مثل هذا التخطيط المنضبط، وإذا كانت اليابان رائدة في عالم التخطيط الاستراتيجي وهي صاحبة نماذج الجودة الشاملة، فإن رؤية المملكة وتخطيطها المستقبلي سيجدان آذانا صاغية هناك، وهذا ما كان متوقعا من زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع لليابان بداية أيلول (سبتمبر) الماضي. فاليابان دولة ذات اقتصاد مهيكل إلى حد بعيد، وهي تعمل وفق خطة استراتيجية هدفها إيجاد ثورة صناعية جديدة؛ وذلك بالاعتماد على الروبوتات وتقنية النانو، وتأمل كثيرا في الوصول إلى الأسواق الخارجية من أجل إصلاح الاقتصاد الياباني الذي وصل حدودا قصوى في التشبع الداخلي ومنافسة كبيرة من شركاء الصناعة في شرق آسيا، مع تفوق هؤلاء الشركاء في مزايا سعر الصرف والحد الأدنى من الأجور.
عندما تتفق الرؤى تتولد الفرص، فالمملكة تسعى إلى إصلاح اقتصادي أيضا وبناء ثورتها الصناعية الخاصة والاعتماد على القطاع الخاص في ذلك للانعتاق من مأزق الاعتماد على النفط، وفي هذا تريد المملكة شركاء قادرين على نقل المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة إلى المملكة، وفي مقابل ذلك فإن المملكة سوف تقدم المزايا النسبية لها من حيث الموقع الاستراتيجي والقوة الشرائية المتنامية في البلاد، ولهذا تلتقي طموحات الشركات السعودية مع طموحات الشركات اليابانية التي تهدف إلى إيجاد أسواق جديدة ونمو خارجي بعيد يمكنها من استكشاف أسواق جديدة أو تقليص نفقات التخزين والنقل التي تهدف خطط اليابان الاستراتيجية ومنذ أمد بعيد إلى وصولها إلى نقطة الصفر. عندما تلتقي كل هذه الرؤى الواضحة والطموحات الجادة فإن النتيجة دائما هي بناء علاقات من الثقة المتبادلة التي تولد فرصا حقيقية للعمل، وهذا ما ظهر أخيرا في أعمال الاجتماع الأول للمجموعة المشتركة لتحقيق الرؤية السعودية - اليابانية 2030 في الرياض التي طرحت أكثر من 36 فرصة على طاولة العمل شاركت في تقديمها 38 شركة ومؤسسة يابانية تمهيدا لبدء تنفيذها خلال الأشهر المقبلة.
قد يبدو وكأن عجلة العمل تتحرك بسرعة هائلة، فلم يمض على زيارة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سوى أقل من شهرين والآن تطرح هذه المشاريع بهذا العدد الضخم، لكن كما أشرنا أعلاه فعندما تلتقي الرؤى تتولد الفرص ببساطة، فالمملكة العربية السعودية تلتقي واليابان في الرؤية الاقتصادية الصحيحة للأوضاع العالمية والتصور الصحيح لما تسير عليه الأمور، ولأن التصورات سليمة حول المعالجة اللازمة للمشكلات الاقتصادية في كلا البلدين، وكذلك الرؤى متقاربة جدا في الاتجاهين لهذا جاءت المجموعة المشتركة لتحقيق الرؤية السعودية - اليابانية لتعكس هذه الحقيقة حتى في مسماها وهي تتحرك قدما نحو وضع استراتيجيات عملية، لذلك فإنه من السهل الآن فهم كيف التقت الطموحات في دعم اقتصاد البلدين، وأن المشاريع جاهزة للعمل فعلا.
ولعله من المناسب التأكيد على أن اليابان تلقي بثقلها الاقتصادي ومن خلال أعمال هذه المجموعة المشتركة لتحقيق رؤية البلدين المشتركة، وهذا يشير بلا أدنى شك إلى أن "رؤية المملكة 2030"، قد بنيت بطريقة تضمن الاتساق العالمي معها وتفتح مجالا واسعا للشركاء العالميين ليجدوا أيضا فرصا في تخطي أزماتهم الاقتصادية من خلال بناء أقطاب اقتصادية جديدة في العالم، للمملكة قدم راسخة فيها.
