الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 30 مايو 2026 | 13 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

هل تنتقل مدرسة رمضان معنا؟

عبدالرحمن الطريري
الخميس 7 يوليو 2016 1:37

في كل المجتمعات يتم تقديم دورات تدريبية تقدم من خلالها جرعات تزيد من كفاءة العاملين، سواء في الأجهزة الحكومية أو الخاصة، الكفاءة المهارية ذات العلاقة بالدور المنوط بالفرد، وذلك من أجل زيادة الإنتاجية، أو الإلمام بما هو جديد في المجال، خاصة في زمن المعرفة الواسعة، والتقنية المتجددة، كما أن الكفاءة تشمل رفع الروح المعنوية، وزيادة الدافعية لدى العاملين، لما في الدورات من تغيير، وتجديد، واحتكاك مع الآخرين في المجال نفسه، واكتساب خبرات متنوعة من أفراد لديهم خبرات متراكمة.

شهر رمضان يمر على أمتنا كل عام وتتغير خلاله أنماط سلوكنا الغذائي، ونظام العمل، ونظام النوم والاستيقاظ. وعلاقات الناس فيما بينهم، الأسواق بدورها تتحول إلى مكان رحب يعج بالمتسوقين حتى تحول هذا الوضع إلى ما يشبه طقسا من طقوس رمضان التي تعيشها المجتمعات الإسلامية قاطبة. المناخ الروحاني أكثر وضوحا، حيث المساجد يؤمها الصغار والكبار، وخيم تفطير الصائمين تمتد بفعل أعمال البر التي اعتاد عليها الناس والقادرون منهم خاصة، وهذا المظهر يمثل حالة فريدة يختص بها العالم الإسلامي لما فيه من تكافل اجتماعي يستفيد منه الوافدون، وحتى غير المسلمين منهم.

هل شهر رمضان دورة تدريبية؟ في ظني أنه كذلك حيث فرضه الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ ليعطينا الفرصة لنستريح من عناء الحياة، ونجدد النفوس، ونراجع سجلاتنا لنغير ما قد نكون وقعنا فيه من زلل، ونجدد حياتنا لنسمو في مشاعرنا. السلوك البشري قابل للتغير، والتعديل، وفي أجواء اجتماعية يكون السلوك البشري قابلا للتغير وفق قاعدة أن سلوك الفرد يتأثر بسلوك الجو العام، وسلوك الجماعة المحيطة به.

الجرعات الإيمانية التي نكتسبها خلال شهر رمضان المبارك لا شك أنها تحدث تغيرات جمة، وعميقة لدى الكثيرين، لكن السؤال المهم معرفة مدى ثبات واستمرارية التغيرات، وهل ما تم اكتسابه خلال الشهر الفضيل سيستمر أم أن السلوكيات السلبية ستعاودنا، وتعوق الكثير من الإنجازات المنضبطة؟ شهر رمضان يفترض أنه يكسبنا خاصية الانضباط في الوقت، فنحن نعيش حالة انضباط في الوقت، فنمتنع عن الأكل، والشرب في وقت محدد، ونفطر في وقت محدد، فهل سينتقل هذا السلوك المنضبط معنا في عملنا، وفي المواعيد التي نعطيها الآخرين، أم أن حليمة ستعود إلى عادتها القديمة؟

التعاطف، والتراحم بين أفراد المجتمع، وأعمال البر الضخمة هل ستستمر؟ وهل سنستمر في مد يد العون للمحتاجين؟ ذلك أن الحاجة لا تنتهي بانتهاء رمضان، الحاجة مدى الحياة، ولن نصل إلى صفر من الفقراء، والمساكين. وحدة المشاعر، والسلوك المتجسدة في رمضان على مستوى الحي الصغير، والبلدة، والمدينة، والدولة الممتدة خارج الحدود، هل نطمع في أن تكون نتائجها وحدة تسير في عروق الأمة تعيد لها الحياة، والحيوية، والمنعة بدلا من حالة الفرقة، والتمزق التي جلبت للأمة الكثير من المآسي، وسلطت عليها الأعداء من كل حدب، وصوب، حتى تحولت الأمة إلى مطمع في هويتها وخيراتها؟

من المحقق أنه لا يمكن أن تستمر أجواء، وطقوس رمضان طول العام، لكن يمكن استثمار النتائج الإيجابية التي تحققت خلال الشهر المبارك، والتأسيس عليها في برامج لاحقة، ودورات تنشيطية، ليستمر الخير، والعطاء متدفقا. رمضان مدرسة كاملة فيها جرعات إيمانية وأخلاقية وسلوكية يفترض أنها تعيد صياغة الأفراد والمجتمع بالكامل لينفض حالات الكسل والخمول والترهل، ويحل محلها النشاط والحيوية، والدقة، والانضباط والإحساس بمشاعر من يعيش بيننا وحولنا من المحتاجين والفقراء والمرضى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية