اتحاد أوروبي جديد من دون بريطانيا

|
في مقال سابق عنونته بـ «هل تفعلها بريطانيا؟» تساءلت عما إذا كان من الممكن أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وللأمانة أنه في ظل التبعات السلبية للخروج لم أكن أتوقع أن يحدث ذلك، حتى عندما تقاربت نسب المؤيدين والمعارضين لذلك عندما اقتربت فترة التصويت. وأشرت في ذاك المقال ومقال آخر (ماذا ينتظر العالم بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟) إلى خطورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد العالمي، لما سيمثله من نكسة لأبرز نماذج النجاحات في التكامل الاقتصادي. هذا النجاح الذي كان مدفوعا بالدرجة الأولى بهدف تجاوز تبعات الحرب العالمية الثانية على أوروبا وإعادة إعمارها وإيجاد أرضية مشتركة للدول التي دخلت في الصراع لتبني عليها مستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي لأوروبا إضافة إلى مواجهة المد الشيوعي الذي بدأ يهدد بتقسيم القارة الأوروبية بعد الحرب. المشروع كان مشروعا طموحا ومضى على مدى الـ 70 عاما الماضية في مسيرة التكامل الاقتصادي والسياسي المتدرج ليصل إلى تتويج ذلك بإطلاق العملة الموحدة. لكن المشروع تعرض لأكبر تحد له عندما ضربت أزمة الديون السيادية لليونان والبرتغال وإيرلندا منطقة اليورو، وأبرزت أن التحول للعملة الموحدة لم يستوف شروط التحول الضرورية لنجاحه. وتفاقم الوضع بالدخول في دوامة التقشف المالي التي تبناها الألمان ومعهم الهولنديون التي أخرت التعافي الاقتصادي بشكل كبير وأدت – في ظل ظهور مشكلة الهجرة - إلى بروز انقسامات سياسية داخلية كبيرة وإلى بروز تيار سياسي يميني متطرف – تطرقت له في مقالات أخرى - يتغذى على هذه الانقسامات ويهدد باعتلائه قمة الهرم السياسي في دول منطقة اليورو. ومن المفارقات العجيبة، أن العالم قبل عام تقريبا كان مشغولا بتبعات خروج اليونان من منطقة اليورو الذي لم يدعمه المواطنون اليونانيون. بينما اليوم يواجه العالم قرار الناخب البريطاني بالخروج من الاتحاد الأوروبي على الرغم من كل الجوانب السلبية التي سيواجهها الاقتصاد البريطاني والتي ستؤثر في الناخبين أنفسهم وفي التأثير السياسي لبريطانيا في الساحة الدولية. فبريطانيا ستواجه نتيجة لهذا القرار الدخول في مفاوضات قد تستمر لعامين حول تدابير الخروج والشكل الجديد للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. كما أنها ستواجه داخليا بمشكلة انفصال عن اسكتلندا التي صوتت بما نسبته 62 في المائة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي. وإيرلندا الشمالية الآن ترغب في الانفصال لرغبتها في البقاء في الاتحاد، وهناك حديث الآن عن رغبة لندن العاصمة في التفاوض على تدابير تبقيها داخل الاتحاد الأوروبي. قرار الخروج صنع أكبر فوضى سياسية تشهدها بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل أبناءها منقسمين حول مصيرها بشكل لم يسبق له مثيل. والواضح أن حزب العمال لم يقم بما هو مطلوب لحث أعضائه على التصويت للبقاء حيث يبدو أن هناك عدم تعاون من قبل أعضاء الحزب أنفسهم مع جيريمي كوربين رئيس الحزب ما يهدد الآن باستقالته من رئاسة الحزب، إضافة إلى استقالة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي سيسجل التاريخ اسمه كرئيس الوزراء الذي انفصلت في عهده بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. والأمر لم يقتصر على الأثر الداخلي للتصويت بالخروج من الاتحاد الأوروبي ولكنه تعداه إلى التأثير الخارجي، حيث أثار موضوع الخروج نزعات انفصالية في مختلف أنحاء أوروبا، وهو أمر أشرنا له في المقالات السابقة. فقد استغلت تيارات اليمين المتطرف قرار بريطانيا الخروج لتحدد النزعات الانفصالية خلفها، حيث بدأت في كل من هولندا وفي فرنسا بقيادة اليمينيين المتطرفين قيرت ويلدر وماري لي بين بالدعوة إلى استفتاء حول البقاء في الاتحاد الأوروبي. وبروز اليمين المتطرف في أوروبا سيشكل أكبر تهديد لمسيرة الاتحاد الأوروبي، وقد يكون لذلك أيضا تبعات على الساحة الدولية من خلال تحالف هذا اليمين مع قوى دولية متطرفة كبوتين في روسيا وترامب في حال فوزه في الولايات المتحدة ما سيشكل أكبر تهديد للأمن والسلم العالميين. وهذا التهديد سيكون أكثر خطورة في ظل تزايد احتمالات حدوث ركود اقتصادي عالمي، حيث يمثل قرار الخروج الشعرة التي ستقصم ظهر الاقتصاد العالمي المحمل بكثير من المشكلات الاقتصادية منذ بداية العام. فهذا العام بدأ بشكل سلبي على عدد من الصعد التي تشمل التحول الاقتصادي في الصين، وتراجع أسعار السلع خصوصا النفط، وأخيرا مخاطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وتحقق الأخير قد يؤدي إلى مفاقمة التأثير في عملية التحول الاقتصادي في الصين من حيث عدم قدرة الصين على تحقيق النمو الذي تحتاج إليه لضمان مسيرة التحول بشكل مستقر. وهذا بدوره قد يؤدي إلى التأثير السلبي في طلب الصين من السلع ما سيؤثر في دول كثيرة بما فيها الدول الآسيوية التي تعتمد في سلاسلها التجارية على الطلب في الصين كمحرك للنمو. وأخيرا، فإن الفترة القادمة ستشهد حالة من التجاذبات السياسية التي ستزيد من حالة التذبذب في الأسواق المالية وستترك آثارا في حوافز الاستثمار والتجارة في أوروبا. إنها مرحلة جديدة من التداعيات لما بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008 التي ستأخذ مزيدا من الوقت إلى حين تشكل اتحاد أوروبي جديد من دون بريطانيا.
إنشرها