التقشف المالي .. وبروز ظاهرة اليمين

|
يشهد العالم تغييرات في التوجهات السياسية التي تقود الكثير من الدول المتقدمة خصوصا في الولايات المتحدة وأوروبا تتمثل في تصاعد شعبية اليمين المتطرف الذي يعادي كل ما هو أجنبي، ويعادي الأديان الأخرى خصوصا الإسلام، ويقف ضد موجات العولمة والانفتاح الاقتصادي، ويهدد بمزيد من الانقسام السياسي العالمي. حالة متزايدة لم يكن أحد يتوقع استمرارها في البروز على السطح وحشدها الدعم والتأييد الكبيرين اللذين تلقاهما حاليا من الشعوب الأوروبية والأمريكية. فدونالد ترمب لم يكن على أعلى قائمة التوقعات عندما رشح نفسه عن الحزب الجمهوري، بل كان هناك أشخاص أكثر اعتدالا كجيب بوش أحد المرشحين الأكثر حظوظا بالفوز بترشيح الحزب الجمهوري. فجأة يبرز خطاب جديد صادم يخاطب الثقافة (النائمة) في المجتمع الأمريكي، ويلقى دعما ينقل مرشحه إلى رأس القائمة. في فرنسا تبرز الآن اليمينية المتطرفة جي لي بين التي حقق حزبها الحزب التقدمي الوطني تقدما في الانتخابات البلدية إبان الهجمات الإرهابية على باريس. وفي النمسا، فوجئ الأوروبيون والعالم بتقدم مرشح حزب الحرية اليميني المتطرف نوربيرت هوفر ليخسر في الجولة الثانية في منافسة قوية مع المرشح المنافس الأكثر اعتدالا. الانجذاب إلى اليمين هي حالة تتزايد بشكل مقلق في الأوساط السياسية، حيث إنها تمثل تراجعا عن إنجازات تحققت على مدى السنوات السابقة لتحقيق التقارب بين الدول سواء على المستوى الاقتصادي أو على الجانب السياسي. أوروبا التي عملت منذ خمسينيات القرن الماضي لتحقق التقارب والتكامل الاقتصادي بين دولها في سبيل تجاوز مشكلات وتبعات الحرب العالمية الثانية التي خلفت الكثير من الجراح، تواجه اختبارا صعبا جدا يتمثل في تزايد موجات السخط من المشروع الأوروبي على المستوى الوطني لكثير من الدول التي تمثل العنصر الرئيس الذي ارتكز عليه هذا المشروع، فبريطانيا التي كانت أحد العناصر الرئيسة الداعمة للمشروع تواجه الآن شبح الخروج منه. في دول أوروبية كثيرة تنمو الدعوات التي ترى في المشروع الأوروبي مشروعا ذا تكلفة باهظة عليهم. ففي ألمانيا، يرى الألمان أنهم في ظل هذا المشروع، مضطرين لتحمل تبعات كبيرة لدعم الدول الأخرى وتكلفة إلغاء الديون عليها. في اليونان وبعد أكثر من ست سنوات على بداية الأزمة فيها، أصبح المشروع الأوروبي كابوسا بالنسبة للمواطن اليوناني. في إيطاليا وفي إسبانيا نزعات تتزايد ضد هذا المشروع، ولذلك فنتيجة التصويت للاستفتاء في بريطانيا حول البقاء في الاتحاد الأوروبي قد تشعل فتيل هذه النزعات. قضية الهجرة تمثل إحدى القضايا التي تزيد من إشعال فتيل التطرّف السياسي في أوروبا، لكن هذا التطرف ينتقل إلى دول أخرى خارج القارة الأوروبية ليمثل الحصان الذي يمتطيه دونالد ترمب في حملته الانتخابية. فتزايد حالة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا نتيجة لما تعانيه دول الشرق الأوسط من اضطرابات، شكّل فرصة قفز عليها مرشحو اليمين لحشد المزيد من الداعمين. وما زاد فتيل هذا التوجه توقدا هو الهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا وبلجيكا، التي دعمت موقف اليمينيين في أوروبا وأسهمت في بروزهم السياسي مجددا بعد أن ظلوا في الخلف لسنوات طويلة. وفيما كانت قضايا الاتحاد الأوروبي، والهجرة، والإرهاب، هي القضايا الداعمة للتوجهات السياسية اليمينية المتطرفة، برزت ظاهرة الإسلاموفوبيا لتصبح الحطب الذي يشعل به اليمين في أوروبا وأمريكا نار توجههم السياسي، ليصبح الإسلام والمسلمون الضحية الكبرى في خضم هذه التجاذبات السياسية. لكن على الجانب الاقتصادي، كان هناك ما يشعل بهدوء نيران التطرّف السياسي، وهو تطرف اقتصادي يتمثل في السياسات الاقتصادية التي تم تبنيها للخروج من الأزمة سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة. هناك صراع خفي وغير واضح للعيان بين الطبقات الرأسمالية وخصوصا المصرفيين الذين كانوا سببا في اندلاع أزمة 2008 وبين الشعوب التي تحملت تبعات مواجهة هذه الأزمات. أزمة 2008 التي بدأت من المصارف والبنوك الاستثمارية وخسر المواطنون فيها الكثير من مدخراتهم، تمت مواجهتها باستخدام أموال دافعي الضرائب، ما تسبب في أزمة ثقة بالحكومة الفيدرالية والحكومات المركزية بشكل عام وبقدرتها على حماية مصالح الأفراد. ولمواجهة حجم المديونيات العامة الكبيرة التي خلفتها الأزمة على الحكومات فقد تم تبني التقشف المالي austerity المبالغ فيه كمنهج، وهو يعكس واقع السياسة الألمانية وتوجهات الناخب الألماني في الدرجة الأولى. ولضمان الاستمرار في التقشف المالي، أصبحت السياسة النقدية هي الماء الذي يطفئ النار كلما زادت اشتعالا. لكن منهج التقشف المالي لم يورث الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلا مزيدا من الدين العام، ومزيدا من الانقسام، ووفرت بيئة حاضنة نما عليها التطرّف السياسي الذي نشهده حاليا. من الصعب أحيانا رؤية الارتباط بين بروز تيار سياسي معين والسياسات الاقتصادية التي أسهمت في توفير الحاضنة لبروز هذا التيار. في الوقت الحالي، أصبح من الواضح للعيان أن سياسة التقشف المالي أورثت انقساما في أوروبا بين الشمال والجنوب، وبين اليمين والوسط، لتوجد ظاهرة عالمية جديدة في كل من أوروبا والولايات المتحدة تحارب كل ما هو عالمي وتعد بمزيد من الانعزال والانقسام.
إنشرها