قبل عدة سنوات باتت الحوكمة في القطاع الاقتصادي على وجه التحديد، السمة الأبرز للنجاح وتحقيق الأهداف والشفافية، الأمر الذي يرفع من مستوى الرقابة على أداء المؤسسات، ويساعد حتى في عملية المحاسبة إن كان الأمر يستدعي ذلك. والحق، أن الحوكمة ليست متأصلة في المنطقة العربية بما يكفي لضمان أداء إنتاجي اقتصادي جيد، وذي جدوى. وفي الفترة الماضية، أصبحت الشركات التي لا تخضع لمعايير الحوكمة عرضة لانتقادات دائمة، بل هذا الغياب أحدث في هيكلية المؤسسات والشركات ثغرات يمكن النفاذ منها بسهولة. والحوكمة ليست طفرة، بل منهج عملي لتنفيذ السياسات التي تضعها هذه الجهة أو تلك، كما أنها تعتبر أساسا لعلاقة المؤسسات مع الجهات الرقابية والتشريعية في كل البلدان المتقدمة. وعلى سبيل المثال، أصبحت الشركات العائلية في منطقة الخليج محل امتحان دائم، حتى تبدأ بتطبيق معايير الحوكمة.
الخطوة المهمة التي أقدمت عليها المملكة بتنفيذ "رؤية المملكة 2030" وفق معايير الحوكمة، حملت معها الكثير من الدلالات، والأهم حملت الأطر العامة لتنفيذ رؤية سعودية محلية، ولكنها ذات تأثير إقليمي وعالمي واضح، من خلال متابعتها من قبل الجهات الاقتصادية العالمية الكبرى، وإعلان عشرات من هذه الجهات عن نياتها بأن يكون لها دور استثماري فيها. في الواقع، جاء القرار السعودي في هذا المجال، ليوفر آليات تنفيذ عالية الجودة. وهذا ما يتطلبه أي مشروع يطرح على الساحة، فكيف الحال بـ "رؤية" هائلة الحجم والقيمة والتأثير محليا وإقليميا وعالميا. وهذا يعني، أن عملية تطبيق "رؤية المملكة 2030" ستكون خاضعة بصورة مستمرة للمراجعة والتطوير، كما أن ذلك سيكشف أي خلل قد يظهر في هذه العملية، وهو أمر طبيعي عندما تكون هناك استراتيجية تنموية بهذا الحجم.
واستراتيجيات التنفيذ (إن جاز التعبير)، لا يمكن أن تكون مواتية أو ناجعة بعيدا عن معايير الحوكمة، وهذه الاستراتيجية ستكون محل مراجعة آنية، الأمر الذي يضمن ليس فقط تنفيذا احترافيا شفافا لـ "الرؤية"، بل أيضا عوائد جمة في أوقاتها المناسبة. لا توجد حلول وسط في عمليات تطبيق الحوكمة، كما أنها ليس خاضعة لأي اعتبارات لا علاقة لها مباشرة بعملية التنفيذ. وعندما تكون مراجعة الآليات واستراتيجيات التنفيذ دائمة، فإن الزمن الذي وضع لاستكمال تنفيذ "الرؤية" سيكون أقصر، وفي أسوأ الأحوال، سيتم الإنجاز وفق الزمن المحدد. والحراك الاقتصادي يلقى دائما الدعم القوي من إنجاز المشاريع في موعدها، فكيف الحال بخطة تنمية شاملة تنقل السعودية من مرحلة اقتصادية معينة إلى أخرى جديدة، تقيم اقتصادا جديدا آخر.
المأسسة تبقى الضامن الرئيس لأي حراك بصرف النظر عن طبيعته. كما أن المتابعة الحقيقية غير المتراخية لا تدعم إلا نتائج حقيقية مثمرة. ولذلك، فإن الآليات الجديدة التي تعتمدها المملكة في عملية تطبيق "رؤية 2030" تحمل في طياتها إنجازاتها. المرحلة المقبلة تتطلب منجزات واقعية، لأن المتغيرات والتحولات تفرض هذه الواقعية. يضاف إلى ذلك، أن السعودية في مرحلة إعادة بناء يحاكي متطلبات المستقبل. في الواقع إنها تبني للأجيال القادمة وفق منظور متطور يأخذ في الاعتبار حتى المفاجآت التي قد تظهر في أي لحظة، ولاسيما أن العالم كله لا يعيش حالة اقتصادية مستقرة منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. كما أن التحول الاقتصادي السعودي، يستدعي وجود سياسة مجردة من كل ما قد يؤثر سلبا في البناء الاقتصادي التاريخي. وقبل كل شيء، إن الأمر يتعلق بمستقبل وطن، أي لا تهاون أو تراخي أو تستر. إنها استراتيجية لصناعة المستقبل.
