السعودية في حاجة إلى إعلام نفطي مؤثر واستباقي يواكب رؤيتها الطموحة

|
إن السياسة البترولية القوية للمملكة يفترض أن تصاحبها أدوات إعلامية قوية أيضا حتى لا تفهم هذه السياسة بشكل سلبي من أسواق النفط واللاعبين الكبار فيها حتى نكون صانعين للخبر النفطي بدلا من أن نكون مجرد ناقلين له.. ونكون محصنين من “البتروفوبيا” التي يحاول الإعلام الغربي المغرض نقل عدواها إلى مجتمعنا بعد أن نشرها في المجتمع الغربي عامة والأمريكي خاصة. نعيش اليوم في عالم سريع التغير، ومن حولنا أزمات كبيرة ومتنوعة منها: السياسي والعقدي والاقتصادي والاجتماعي إضافة إلى الأزمات الثقافية والتربوية وغيرها ما يتعذر سرده في هذا المقال، ولعل من المثالية الزائفة أن ندعي أننا ـــ ورغم وجودنا في وسط هذا السيل العارم ـــ أن يكون مجتمعنا قد استقر فوق جبل يعصمه من الماء وأننا في معزل عن كل هذا الحراك، بل الواجب أن نعلم ونعمل على أننا جزء من بيئتنا نؤثر فيها ونتأثر بها، فنتكامل في عملية استنفار سريع تشمل مؤسسات الدولة مجتمعة وكل الكيانات الاجتماعية لما يجب علينا القيام به من العمل الذي يتناسب مع مكانتنا الرائدة المحلية والإقليمية والدولية. وبما أن التطرق لكل المتغيرات في آن واحد متعذر فسأجعل محور المقال هو منتجنا الوطني ودور إعلامنا الواجب نحوه، وإبرازه كوسيلة ندافع بها عن سياسات قيادتنا الحكيمة. النفط كمنتج معروض للبيع كانت أسعاره جملة، تحددها ـــ وكأي سلعة بعد قانون العرض والطلب ـــ أطراف من داخل محيطه، أما اليوم فيتحكم في أسعاره، التجار والمتداولون في السوق الورقية (سوق التداولات للعقود الآجلة) أكثر من الجهات المسؤولة مباشرة عن السوق الفعلية؛ (المنتجين الفعليين للنفط). والسوق الورقية تتأثر بدورها بما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام، مثل الأخبار والتقارير الاقتصادية، والبيانات اليومية والأسبوعية والشهرية، التي تعمل بدورها وفق أجندات خاصة لا تعمل لمصلحة المنتج ولا المستهلك!، وكثيرا ما تحمل بياناتها رسائل مبطنة أغلبها يسعى لتكريس فرضية المؤامرة من طرف المنتج، وتكثر التباكي على المستهلك الذي تصوره أبدا كضحية لسياسات المنتج! وكما تعلمون فإن السوق النفطية من أكثر الأسواق العالمية عالية الحساسية لكل المتغيرات؛ حيث يؤثر فيها المنتجون والمستهلكون، والمصارف والتجار والمتداولون، والحكومات والمؤسسات الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية، كما تتأثر بالمتغيرات السياسية، والكوارث الطبيعية والأعاصير التي تحدث على وجه الخصوص في مناطق الإنتاج والتكرير. إرادة الله جعلت من المملكة اليوم أكبر منتج ومصدر وصاحب أكبر احتياطي للنفط في العالم ـــ ولله الحمد والمنة ـــ هذه السلعة التي تعد الأساس الحقيقي الذي ساعد على تطوير الحياة، وغيّر وجه العالم، وهي محور دوران التقدم البشري في الماضي والحاضر ولسنين طويلة قادمة ـــ بإذن الله ـــ، ويعد المحرك الأساسي لآليات السياسة والاقتصاد وما يتبعها من الشؤون الحياتية. في 24 من نيسان (أبريل) الماضي أهل علينا هلال "الرؤية السعودية 2030" فاستبشرنا بها خيرا، فقد جاءت هذه الخطوة المباركة في توقيتها لتحقيق قفزة نوعية ـــ بإذن الله تعالى ـــ بوضع قطار تنمية السعودية على المسار الصحيح بحكمة وشفافية، ولتحقق الاستفادة المثلى من المؤهلات المتنوعة ـــ حباها الله ـــ للسعودية. وقد تابع صناع القرار وجميع دوائر العلاقة باهتمام بالغ ولادة "الرؤية السعودية 2030" لمعرفة ما الذي يمكن أن تحدثه ومن تغير؟ وما حجم ذلك التغير على أسواق النفط؟ وكيف سيكون شكل "أرامكو السعودية" بعد إقرار هذه الرؤية؟ وكيف ستكون السياسة البترولية السعودية بعد إنشاء وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية؟ لأنهم يعلمون تماما أن يوم إعلان هذه الرؤية سيكون له ما بعده. وفي يوم السبت الموافق للسابع من أيار (مايو) الجاري عين المهندس خالد الفالح وزيرا للطاقة والصناعة والثروة المعدنية، خلفا للوزير المخضرم، المهندس علي النعيمي وزير البترول والثروة المعدنية، الرجل العصامي، الذي صعد سلم الرقي بنفسه، علم بارز ومنار، تراكم خبرات ووسام شرف ومثال التزام، أول سعودي يترأس شركة أرامكو، المهندس علي النعيمي باختصار شديد، قصة نجاح مشرفة ترويها الأجيال للأجيال، دعاؤنا الخاص للمهندس خالد الفالح أن يكون خير خلف لخير سلف. المهندس خالد الفالح، ومن أول يوم له كوزير للطاقة أصدر بيانا إعلاميا موجها للسوق العالمية، يؤكد فيه استمرار سياسة المملكة البترولية على ما كانت عليه، ويؤكد أن المملكة ستستمر في تلبية الطلب الحالي والمستقبلي لزبائنها. هذا البيان المختصر مهم للغاية، وعلى الرغم من أهميته، فهناك رؤية واضحة في ذاتها (رؤية السعودية 2030)، ويتطلب تنفيذها وضوح في كل ما يتعلق بها، والسياسات النفطية للمملكة من أقرب ما يدور في فلك هذه الرؤية. ولا شك أن الجميع تابع، كيف كان لحوار ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مع وكالة "بلومبيرج" بالغ الأثر على السوق، حيث كشف عديدا من الملامح الرئيسة العامة لسياسة الدولة وبصورة شفافة وواضحة. ولأهمية هذا المسلك، أصبح من غير المقبول أن تستمر مؤسسة بهذا القدر من الأهمية بالأساليب الإعلامية التقليدية نفسها، فكل شيء تغير وأصبح هناك واقع جديد تتصدره آلة من الإعلام الجديد الذي أصبح لا يعترف بكثير من ادعاء الخصوصية للأفراد فضلا عن المؤسسات. فثورة الإعلام الجديد أو البديل كسرت كثيرا من القيود عليه لا بد من أن تتواكب هذه المتغيرات مع استراتيجيات تهدف إلى استقطاب كوادر وطنية مؤهلة إعلاميا ولها دراية تامة بشؤون الطاقة لتكون واجهة للإعلام النفطي في المملكة. وهنا أقترح أن تتبني الوزارة بحلتها الجديدة وبقيادة وزيرها المهندس خالد الفالح وبالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم والجهات ذات العلاقة وضع برامج تعليمية تدرس ضمن المناهج، تقرر من الصفوف الأولى لرفع مستوى وعي المجتمع السعودي بأهم منتج لبلاده. فلا بد من تحويل المعلومات المتعلقة بالنفط والغاز والطاقة عموما من معلومات نخبوية إلى ثقافة مجتمع، فهذا هو ما يتناسب ومتطلبات الفترة المقبلة، وهو ما يتماشى مع ما تدعو إليه رؤية 2030 من الشفافية ومن إشراك المواطن في عجلة التنمية والتطور، وفي هذا قيمة مضافة، حيث سيضمن نشر هذه الثقافة سد الثغرات التي يستغلها الإعلام المغرض في تضليل الرأي العام المحلي والإقليمي وكذلك العالمي حيال مواقف المملكة المشرفة وإسهاماتها الكبيرة والتاريخية في المحافظة على توازن واستقرار أسواق البترول العالمية. المواطن اليوم يعظم دوره بعظم الدور الذي تمثله دولته، لهذا فقد آن لمعادلة أن تكون السعودية أكبر منتج ومصدر للنفط، والمواطن السعودي أكبر مستورد لما تبثه وسائل الإعلام الأجنبي عن منتجه الوطني أن تنقلب رأسا على عقب.. وأنا هنا أركز على هذه النقطة بعد أن أصبح استهداف الإعلام الغربي المغرض لبلادنا وضح لكل ذي عين مبصرة، وأكبر مثال على ذلك تشكيكهم في رؤيتنا وإمكاناتنا كما أوردت في مقال سابق. ومن المؤكد أن الكل تابع بعض ما يصدر عن آلة الإعلام الغربي الموجه، التي وصل صداها إلى القاصي والداني، بل حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من مثل الادعاءات الكاذبة التي يروج لها من وجود مؤامرة سعودية ضد الاقتصادين الإيراني والروسي، ومحاولة التأثير على مصادر القرار في السعودية بإشاعة أن البترول السعودي سينضب في 2030 وسبحان الله كيف توافق ذلك التاريخ مع التاريخ الذي حدد في "الرؤية السعودية 2030"، وكذلك ما ينشر من أراجيف يتم تداولها لشيطنة المواقف السعودية الثابتة، وسياستها النفطية المتوازنة والحكيمة. أختم القول في هذه الجزئية بطلب ملح إلى معالي الوزير، بسرعة الالتفات إلى أن المواطن يجب أن يكون سد الدفاع الأول عن سياسة مملكتنا الحبيبة، وهذا يستوجب وضع استراتيجيات عاجلة للتسليح بما يكفي من ثقافة ووعي بأكبر منتج في بلاده. معالي الوزير.. جاء الوقت بقيادتكم لنكون صانعين للخبر النفطي بدلا من مجرد ناقلين له.. ونكون محصنين من "البتروفوبيا" التي يحاول الإعلام الغربي المغرض من نقل عدواها إلى مجتمعنا بعد أن نشرها في المجتمع الغربي بعامة، والأمريكي بخاصة. من ضمن أبرز ما يميز "رؤية السعودية 2030" كونها تحتم على جميع قطاعات الدولة تحقيق المزيد من الشفافية أمام المواطن، بل وأمام العالم أجمع، وهذا المطلب الملح لا شك أنه يتطلب كثيرا من العمل. فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازما .. فليقس أحيانا على من يرحم فلا سبيل لمواكبة هؤلاء لمتطلبات المرحلة، التي يعد الإعلام من أهم سماتها.. وفي حقبة التطور السريع للتكنولوجيا والاتصال، أصبح الإعلام شريكا حقيقيا لمؤسسات الدولة والمواطن على السواء، وباتت وسائل الإعلام والصحافة تمثل جزءا رئيسا في حياة الناس، فلا أحد في عالم اليوم يعتمد على وسائل الإعلام كمصادر للحصول على المعلومات فحسب، بل هي وسيلة مباشرة لإيصال صوته وحل قضاياه الكبيرة، لذا أصبح لزاما على من أراد أن يكون مؤثرا أن يتعامل مع الإعلام كضرورة وأن يتعامل معه بحرفية وكحلقة وصل بين الرأي العام الذي يمثل الناس بجميع اتجاهاتهم واحتياجاتهم، من جهة، وصانعي القرارات في الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى. كفى ما تحملناه من الظلم بالتشكيك في ثوابتنا، وما طال سياسة بلدنا النفطية من الهجمات المتتابعة، فكم نشر الإعلام الغربي المغرض ودون أي تثبت وبصيغة تحريض واضحة "من خلال تصريحات منسوبة لمصادر غير معروفة. السياسة الإعلامية البترولية يجب أن تكون وفق آليات علمية ومهنية واضحة، تضمن تحقيق أفضل النتائج المرجوة من التواصل بالعالم، وقد أظهرت بعض الجهات سلبية شديدة في توظيفه على المستويين الداخلي والخارجي، وكما يقال "بالمثال يتضح المقال" وعليه سأذكر لكم بعض الأمثلة على التناقض الشديد والتخبط الإعلامي في الرسائل التي تبعث باسم أكبر دولة منتجة ومصدره للنفط إلى أسواق النفط العالمية، فهي كثيرة! والسبب في هذه العشوائية فيما يظهر هو مخاطبة السوق عبر أسماء مجهولة مثل "مصدر في الصناعة" أو "مندوب خليجي في أوبك"! وهذا الأمر ذاع وانتشر وعم البوادي والحضر فلم يعد سرا على أحد إلا المواطن السعودي، فقد فاض الكيل به حتى قامت وكالة "رويترز" بكتابة تقرير في صيف عام 2013 تصرح فيه باسم هذا "المصدر الخليجي" الذي كانت "رويترز" تستخدمه سرا في تقاريرها طيلة السنوات الماضية. هل سيكون من حق "رويترز" وهي من ضمن الإعلام الغربي المغرض والمشكك في رؤية 2030، الحق بالاستمرار في نشر تصريحات باسم هذا المصدر المجهول، في نشر الأخبار لأسواق النفط؟ إن وقع ذلك حينها لن يكون بإمكان أحد معرفة مصدر الخبر أو الجهة المسؤولة عن نشره!. وفي لحظة حاسمة وبتاريخ 12 نيسان (أبريل) نشرت "انيرجي انتيلجنس" خبرا بعنوان، "السعوديون يدعمون التجميد وسط إشارات متضاربة". وقالت ـــ وهي التي اعتادت نقل أخبار عن مصادر مجهولة في المملكة ـــ، إن السعودية أرسلت رسائل تطمينية لكل الدول التي ستحضر للدوحة في 17 نيسان (أبريل).. أليس هذا جزءا من تلك المراهقات السياسية والتضليل والتشكيك في قراراتنا تنشره أيضا "انيرجي انتيلجنس" على لسان هذا المصدر المجهول؟! لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يكون للوزارة المعنية العمل مع هذه الجهات الإعلامية تحت أسماء وهمية ومجهولة، حيث إنه بإمكان هذه الأسماء حياكة أي خبر عن المملكة، دون تكليف أنفسهم تقديم أية معلومات تأكد صحة روايتهم.. ولأن أسواق النفط اعتادت أن ترى مثل هذه الرسائل الرسمية تنقل إليها من خلال وكالة أنباء أو نشرة دورية فإن الكل أصبح يثق في هذه الجهات الإعلامية، بغض النظر عن مصدر أو جهة الخبر! وهذه ليست المرة الأولى التي تنشر "إنيرجي انتيلجنس" خبرا ضد السياسات الرسمية المعلنة للمملكة، ففي كانون الأول (ديسمبر) الماضي نقلت النشرة خبرا عن "مصدر مطلع" مفاده، أن المملكة ستقدم مقترحا في اجتماع "أوبك" بأنها مستعدة لتخفيض إنتاجها لدعم الأسعار إذا ما انضمت دول أخرى إلى هذا المقترح. وتسبب هذا الخبر في ربكة كبيرة في أسواق النفط، حيث إن السياسة البترولية القائمة تعتمد على تلبية طلب الزبائن، والدفاع عن الحصة السوقية، والعمل على استقرار السوق من خلال التنسيق مع المنتجين الآخرين. هذا وقد سيق هذا الخبر مع أنه يتعارض مع استراتيجية حصة السوق ولم يذكر قط أن المملكة تنوي خفض إنتاجها. هذه الجهات تنقل تصريحات متضاربة مبهمة، وهي التي تخرج تحت أسماء مجهولة ومستعارة؟! وكما أسلفنا في مقال سابق فإن الإعلام الغربي المغرض يحاول يائسا التقليل من دور السعودية الكبير، وقوتها الاقتصادية والسياسية.. لما لها من حجم وثقل كبيرين في أسواق النفط العالمية، وبالنظر لهذه المكانة ولضمان تفويت الفرصة على هذه الجهات المترصدة وجب أن تكون سياستنا البترولية واضحة وشفافة أمام الجميع، كما يجب أن تخرج هذه الرسائل إلى النور من خلال قنوات رسمية واضحة ومعلنة حتى لا يتلاعب أحد بهذه التصريحات التي تحملها أو ينسب للمملكة ما لم تقله. فهذا حق، والحق أحق أن يتبع. آمالنا في الوزارة الجديدة بقيادة وزيرها المتألق بعدد رمال صحرائنا أن تتم خطة طوارئ عاجلة لسد هذه الثغرات المزعجة خصوصا قبل أول اجتماع يحضره لمنظمة أوبك الأيام المقبلة، فالإعلام اليوم يعد حجر الزاوية في كل العمليات الاقتصادية، وهو المسؤول عن تهيئة الأجواء الضرورية للحركة الاقتصادية الناجحة لأي مؤسسة، حيث إنه يعمل على توفير البيانات والمعلومات للمؤسسات والأفراد والمتخصصين سواء للموضوعات الاستثمارية أو المجلات الاقتصادية، وحتى السياسية، فنحن في عصر الإعلام بامتياز. وقبل الختام سأقترح على الوزير بعد سؤالي الله له التوفيق والسداد أن تتبنى وزارته على الأقل لهذه الفترة استراتيجية محكمة لمحو الأمية النفطية عن المواطن السعودي، وحملة مكثفة لمكافحة عدوى "البتروفوبيا" الغربية. وفي الختام أقول، إن السياسة البترولية القوية للمملكة يفترض أن تصاحبها أدوات إعلامية قوية أيضا حتى لا تفهم هذه السياسة بشكل سلبي من أسواق النفط واللاعبين الكبار فيها. *مستشار في الطاقة وتسويق النفط، ومدير دراسات الطاقة في منظمة «أوبك» سابقا
إنشرها