«رؤية المملكة 2030» والتخطيط الممنهج لإدارة المشاريع

|
بقراءة متأنية لـ «رؤية المملكة 2030»يتضح مقدار الجهد الذي تم للخروج برؤية طموحة مبنية على أسس علمية من التخطيط الاستراتيجي كما يظهر جليا توجه المملكة نحو تبني منهجية إدارة المشاريع لتحقيق «الرؤية» وتحويلها إلى واقع ملموس. لا توجد رياح مناسبة لسفينة بلا وجهة .. وهذا هو الدور الذي تقوم به القيادة .. إنها تدير دفة سفينة البلاد نحو الوجهة المقصودة. نحن أمة يمكنها حل المشاكل المعاصرة بأخلاق ومثل من تراثها الإسلامي، ولكن لضمان النجاح في مهمتنا، وحسن تطبيقها للقواعد السليمة المستعملة في حقول التطور الاقتصادي والاجتماعي، علينا أن نلجأ إلى تقنية أدوات الإدارة المعاصرة لنهيئ فضاء ينمو فيه تراثنا وتنتشر فيه أخلاقنا، فنحن أمة "اقرأ" و"الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها". حب الوطن والولاء للقيادة يحتمان علي الحديث بإسهاب عن الحدث الذي أشغل العالم بأسره، عن (رؤية المملكة 2030) فهذا لن يكون أول ولا آخر مقال في هذا الشأن، تلك الرؤية التي أصبحت بفضل الله محط اهتمام عالمي، وذلك لما حملته من بشائر الخير العميم وما اتسمت به من الجرأة والطموح العالي رغم كل ما يحيط بالمنطقة من أحداث. رؤية تضمنت مختلف مجالات التنمية في المملكة، وركزت بشكل كبير على الكادر البشري (من الجنسين)، الذي يعد من أهم دعائم النهضة في أي مجتمع، حيث تضمنت الرؤية عديدا من الأهداف التي تعنى بتطوير الكفاءات البشرية وبشكل مباشر. رؤية لم تغفل الجانب الرقابي فقد جاء في حديث الأمير محمد بن سلمان في معرض حديثه عن خصخصة 5 في المائة من "أرامكو السعودية" ما نصه (طرح "أرامكو" فيه عدة فوائد أهمها وأولها الشفافية. كان الناس في السابق يتضايقون أن ملفات وبيانات "أرامكو" غير معلنة، غير واضحة، وغير شفافة. وقريبا ستصبح شفافة. إذا طرحت "أرامكو" في السوق لا بد أن تعلن عن قوائمها، وتعلن عن كل ربع، وتصبح تحت رقابة كل البنوك السعودية، وكل المحللين، والمفكرين السعوديين، بل كل البنوك العالمية وكل مراكز الدراسات والتخطيط في العالم ستراقب "أرامكو" بشكل مكثف. سوف تصبح لديك رقابة عالية جدا في يوم وليلة، والذي لا يتم اليوم ولكن سيطبق غدا، وإن غدا لناظره قريب. "أرامكو" اليوم تعامل كشركة تسهيل محدودة، وهذا أمر خطير جدا. شركة بهذه الضخامة تدار وتعامل كأنها شركة تسهيل محدودة ما يجعل من وجهة نظري أن الحصة التي ستطرح بسيطة جدا كأقل من 5 في المائة). #2# ولعلي أسلط الضوء في مقالي هذا على أمر بدا لي أنه لم يتم التطرق إليه من قبل المختصين في وسائل الإعلام حتى الآن، وهو: إثبات جودة وذكاء أهداف رؤية المملكة 2030، وذلك من خلال قراءة تحليلية يتبين من خلالها مدى المهنية التي أعدت بها هذه الدراسة ومدى دقة أهدافها، وما تم من إجراءات لزيادة فرص النجاح في تطبيقها، كمحور أول. بقراءة متأنية لأهداف رؤية المملكة 2030، نجدها قد كتبت بأسلوب علمي محكم، يسعى جادا لتحقيق أهداف طموحة وواقعية في الوقت نفسه، حيث صيغت هذه الرؤية على هيئة أهداف ذكية SMART Goals. حيث يشير علم إدارة التخطيط الاستراتيجي على أنه يجب أن تصاغ الأهداف بطريقة علمية تنطبق عليها مواصفات معينة مجموعة في كلمة SMART كما موضح في شكل رقم (1). فلو استعرضنا أهداف رؤية المملكة 2030 لوجدناها جميعا تنطبق عليها هذه المعايير. ولو أخذنا على سبيل المثال: هدف زيادة الطاقة الاستيعابية لاستقبال ضيوف الرحمن المعتمرين من (8 ــ 30 مليونا) بحلول عام 2030، لوجدنا أن جميع معايير الهدف الذكي تنطبق عليه، فالهدف بكل تأكيد قابل للإنجاز، وهذا تثبته الوقائع ومستوى الإنشاءات السابقة، وللهدف معايير واضحة، كما أن نتائجه قابلة للقياس حيث، حدد العدد (8 ــ 30)، ومن المعلوم "أن ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته"، كما يقول القانون الذهبي للإدارة، والهدف جاء مرتبطا بزمن، حيث حدد الزمن بـ (عام 2030). ومما لا شك فيه أن تحديد الرقم المقصود وتحديد السنة بهذه الدقة أتيا بناء على دراسات وأبحاث مستفيضة ودقيقة، لذا فهو هدف واقعي .. وبهذا استوفى هذا الهدف جميع متطلبات الهدف الذكي، وعند النظر إلى جميع أهداف رؤية المملكة 2030 نجدها جميعا صيغت كأهداف ذكية. إن إعداد الأهداف الاستراتيجية بهذه المواصفات لكيان عظيم مثل السعودية وسط جملة من التعقيدات، والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، يظهر جليا مقدار الجهد الذي بذل، وحجم الإسناد العلمي لصياغتها، ما يجعل من تحقيق هذه الرؤية أمرا ممكنا، وهذا ما أكده لي المهندس صالح عبد الله فرج أحد الكوادر الوطنية المتخصصة في مجال التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع، الذي سعدت بلقائه ومناقشته في هذه الأهداف، حيث أكد أن وضع الرؤية كأهداف ذكية يسهم بشكل كبير في تحقيقها، حيث يمكن المختصين من تطبيق منهجية إدارة المشاريع على كل هدف. وأنا بدوري أكاد أجزم هنا بأن من أمعن البحث والنظر في هذه الرؤية سيتملكه شعور أنه أمام واقع بالفعل تحقق كما قال الأمير محمد بن سلمان أن رؤية 2030 أصبحت واقعا وليست حلما. #3# أما المحور الثاني فهو: أمر جوهري نوه إليه الأمير محمد بن سلمان في المقابلة الأشهر التي أجرتها معه قناة "العربية" في 25 نيسان (أبريل) الماضي، حيث أشار إلى تبني مكتب إدارة المشاريع Project Management Office PMO "وهو عبارة عن إدارة مركزية لإدارة وتقييم أداء المشاريع / المبادرات" لمتابعة تنفيذ المشاريع في المجلسين الاقتصادي والأمني. حيث يعتبر (والحديث هنا للمهندس صالح فرج) استخدام آلية مكتب إدارة المشاريع PMO من الخطوات الرائدة التي تعتمد عليها الدول والمنظمات المتقدمة، لتنفيذ خططها وأهدافها الاستراتيجية، من خلال ربط الرؤى بمشاريع تترجمها إلى واقع ملموس، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى تحسن ملحوظ في نتائج المشاريع / المبادرات عند تنفيذها باستخدام هذه الآلية، وقد بلغت نسبة نجاح المشاريع المنجزة بهذه الآلية 89 في المائة مقابل 43 في المائة من المشاريع التي تنفذ بطريقة تقليدية كما هو موضح في شكل رقم (2). ولعل أهم وظيفة لمكتب إدارة المشاريع PMO هو العمل على ضمان تحقيق أهداف المنشأة الاستراتيجية، من خلال التأكد أن المشاريع المنبثقة من هذه الأهداف تسير وفق النتائج المخطط لها مسبقا (من حيث الجدول الزمني، الميزانية المعتمدة للمشروع ... إلخ). حيث يتيح مكتب إدارة المشاريع تطبيق مبدأ الاستباقية Proactive على أعمال المشروع، بمعنى إمكانية التنبؤ بالنتيجة النهائية للمشروع من خلال تحليل بيانات الأداء للمشروع في مراحله الأولية، وبالتالي يصبح من الممكن اعتماد الإجراءات الوقائية والتصحيحية التي تعيد المشروع إلى مساره المخطط له مسبقا، وبذلك يتم تفادي مشكلة تعثر المشاريع "التي أصبحت ظاهرة تقض مضاجع المسؤولين في وقتنا الحالي". وهناك عدة أنواع من الهياكل التنظيمية لمكتب إدارة المشروع "بناء على حجم العمل والغاية من تأسيسه"، إلا أن الدراسات تشير إلى أن مكاتب إدارة المشاريع المرتبطة مباشرة بالإدارة العليا التي تحظى بدعم مباشر منها يكون أداء مشاريعها في تطور ملحوظ مقارنة بمشاريع تدار من خلال مكاتب إدارة المشاريع ذات دعم أقل من الإدارة العليا للمنشأة كما هو موضح في شكل رقم (3). ومن المعلوم أن أحد أهم المعوقات في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية هو: إغفال دور إدارة التغيير في ذلك المشروع أو المبادرة، حيث يجب أن يتم وضع آلية واضحة لكيفية التعامل مع أي تغير قد يطرأ على الخطة، حيث من المفترض القيام بإجراءات محدده للتعامل مع طلبات التغيير لأي مشروع من حيث: 1. تحديد السبب الرئيس للتغير. 2. دراسة تأثير هذا التغيير على المشروع (تأثيره على زمن المشروع، تكلفة المشروع، التحديات المخاطر ... إلخ). 3. إيجاد بدائل ممكنة لهذا التغيير. 4. اتخاذ القرار النهائي من حيث قبول أو رفض ذلك التغيير. ولتوضيح بعض من تقنيات إدارة المشاريع في التعامل مع الرؤى والأهداف الاستراتيجية، سنتحدث عن الرؤية الخاصة بخصخصة شركة أرامكو السعودية، وتحويلها إلى شركة طاقة صناعية ذات تكتل صناعي عملاق، وهي بلا شك رؤية تعبر عن مدى الرغبة في التقليل من الاستهلاك العالي المحلي للزيت كمصدر للطاقة من جهة، وتعبر عن مدى الرغبة في تنوع مصادر الدخل للمملكة من جهة أخرى، حيث نتج عن هذه الخطوة الإعلان عن عدد من المشاريع الحيوية من أجل الوصول إلى هذه الرؤية وهي: ـــ مشروع"أرامكو" للإنشاءات. ــ مجمع الصناعات البحرية. ـــ مدينة الطاقة في الأحساء. ـــ شركة خدمات الحفر. هذه المشاريع وغيرها من المشاريع العملاقة، التي يجب أن تدار وتنفذ من خلال منهجية علمية لإدارة المشاريع (التي ينتهجها مكتب إدارة المشاريع- PMO). فلنأخذ مثلا مشروع "أرامكو" للإنشاءات، كما أشرنا سابقا من أن تبني منهجية إدارة المشاريع يجنبنا حالات تعثر المشاريع من خلال تطبيق مبدأ الاستباقية Proactive على معطيات المشروع الأولية للتنبؤ بنتائج المشروع النهائية المتوقعة. #4# أيضا، تسهم هذه المنهجية في التخطيط لعدد من جوانب المشروع (إلى جانب الزمن أو التكلفة) التي عادة ما يتم إغفالها عند إدارة المشروع بطريقة تقليدية، كما هو موضح في شكل رقم (4). من تلك الجوانب جانب إدارة أصحاب العلاقة في المشروع Stakeholder Management، حيث تعتبر إدارة متطلباتهم (على الأخص الأشخاص أو الجهات ذات التأثير القوي على قرارات المشروع)، من أهم النقاط لنجاح أي مشروع، فمن خلال تحديد متطلباتهم وتطلعاتهم من المشروع يتم التأكد من أن تلك المتطلبات قد أخذت في الاعتبار وأدرجت من ضمن خطة عمل المشروع، وبذلك نجنب المشروع (أو على الأقل نقلل) الأسباب المؤدية إلى التغيير السلبي أو بمعنى آخر نحصل على مشروع ناجح خال من التغييرات (ما أمكن) أثناء التنفيذ. جانب آخر من جوانب المشروع، التي عادة ما تغفل دراسة التحديات المتوقعة Risks للمشروع، بمعنى أنه يحتمل أن يواجه أي مشروع بعض التحديات بنوعيها: 1) السلبية (كاحتمال ألا ينجز مشروع "أرامكو" للإنشاءات في الوقت المحدد لعدم توافر فريق العمل المؤهل)، كما هو موضح في شكل رقم (5). 2) الإيجابية (كاحتمال إنجاز المشروع بتكلفة أقل من الميزانية إذا تم تطبيق مبدأ الهندسة القيمية Value Engineering، فمن الممكن لأي مشروع دراسة جميع التحديات Risks ووضع الخطة المناسبة لتفادي التحديات السلبية والتأكد من إدراك التحديات الإيجابية). وبذلك يكون لدينا جدول زمني متكامل لمشروع "أرامكو" للإنشاءات (على سبيل المثال) مدرج به جميع المهام الخاصة بنطاق العمل لهذا المشروع، إضافة إلى متطلبات أصحاب العلاقة الرئيسة، مع دمج خطة مواجهة التحديات Risk Response Plan، ضمن أعمال الجدول الزمني الرئيس إضافة إلى تعيين شخص أو جهة (بالاسم) لكل مهمة من مهام الجدول الزمني للمشروع، وبذلك يكون لدينا جدول زمني يشمل مختلف جوانب المشروع، ويتم تنفيذ ومراقبة أداء المشروع بناء على هذه الخطة المتكاملة. ويمكن لإدارة المشاريع أيضا المساهمة بشكل فعال في إنجاح مشروع خصخصة "أرامكو" من خلال تفعيل ما يسمى الدروس المستفادة Lessons Learned لمشاريع الخصخصة السابقة وذلك بالاطلاع على تلك التجارب، والاستفادة مما تم عمله فيها، وتجنب الأخطاء التي وقعت في السابق، حتى نضمن تنفيذ هذا المشروع العملاق خاليا من أي إخفاقات. وختاما لا أستطيع إخفاء فخري واعتزازي برؤية المملكة 2030، التي تم إعدادها على أعلى مستوى علمي برهنت للعالم أجمع مدى جودة وإتقان هذا العمل، وبشرت في الوقت نفسه بالمستقبل المشرق الذي ينتظر أبناء هذا البلد المعطاء. ونحن كما أسلفنا أمة لها من دينها ما يؤكد عليها ضرورة التخطيط والتطوير ودوام التقييم والمتابعة. نحن بما منحنا الله من خدمة دينه ومقدساته مطالبون أكثر من غيرنا بالتخطيط لحياتنا وأعمالنا، لأننا مرتبطون في هذه الحياة الدنيا بتعاليم ديننا، فنحن نعرف إلى أين نحن ذاهبون، وما هي واجباتنا في الحياة الدنيا، وقد جاء في الحديث الشريف "اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". *مستشار في الطاقة وتسويق النفط، ومدير دراسات الطاقة في منظمة «أوبك» سابقا
إنشرها