في الشهر الأخير من عام 2013 أقامت "أرامكو السعودية" في "مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي" منتدى ثقافيا متميزا هو "المنتدى العالمي لمجتمع المعرفة". وشمل المنتدى متحدثين يتمتعون بالخبرة، وكان الحاضرون نخبة متميزة من أصحاب الفكر. وكان لوجود هذين الطرفين أثر كبير في تفعيل النقاش وطرح أفكار متميزة بشأن بناء مجتمع معرفي قادر على العطاء في المستقبل. ومن دواعي سعادتي أنني كنت أحد المتحدثين في المنتدى، وكان الموضوع الذي تحدثت فيه هو "بناء ثقافة المسؤولية في مجتمع المعرفة". وينطلق هذا الموضوع من حقيقة أن المعرفة هي ما يعرفه الإنسان وأن تطورها وتفعيل دورها في المجتمع يأتي أيضا من الإنسان، ومن دوافع المسؤولية لديه نحو التنمية المستمرة بصورها المتعددة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
رأيت أن وجود نخبة من المتحدثين والحاضرين المشاركين في المنتدى فرصة متميزة ليس فقط للحديث وتقديم الأفكار والآراء حول الموضوع المطروح، بل للشراكة المعرفية معهم أيضا في هذه الآراء والأفكار. وعلى هذا الأساس أعددت استبيانا لدراسة آراء النخبة المشاركة في المنتدى في عدد من "الخصال الحميدة التي نريدها في الإنسان" من أجل تفعيل بناء مجتمع معرفي قادر على العطاء والمنافسة وصنع التنمية المنشودة. وكي تكون الخصال المطروحة شاملة بقدر معقول، استعنت بأبحاث مختلفة في موضوع مجتمع المعرفة؛ كما طلبت من ابني المهتم بهذا الموضوع، مشاركتي في ذلك، كي تكون أفكار الشباب حاضرة أيضا في الاستبيان.
جوهر الخصال الحميدة التي تم أخذها في الاعتبار والمطلوبة في الإنسان في كل زمان ومكان، هو ما تعلمناه من قول الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ثم تأتي الخصال الأخرى التي جرى طرحها للشراكة المعرفية في المنتدى. وتنقسم هذه الخصال إلى ثلاثة أقسام هي: "خصال المسؤولية المعرفية للإنسان"؛ و"خصال المسؤولية الاجتماعية"؛ إضافة إلى "خصال المسؤولية تجاه العالم بأسره". كان هناك ثلاثة أسئلة في الاستبيان طلب من المشاركين في المنتدى الإجابة عنها لكل خصلة من الخصال المطروحة في الأقسام الثلاثة. يختص السؤال الأول "بمدى أهمية" الخصلة المطروحة؛ ويهتم الثاني بملاحظة "مدى وجودها" حاليا بين أبناء المجتمع؛ ويرتبط الثالث "بإمكان تطويرها" في المستقبل. وقد بينت نتائج الاستبيان أن المشاركين اتفقوا، بدرجة عالية، على أهمية الخصال المطروحة؛ لكنهم أعطوا درجة أقل لمدى وجودها في المجتمع؛ كما رأوا، وبنسبة مرتفعة إمكان تفعيل هذه الخصال في المستقبل. وخلاصة ذلك أن علينا العمل على تطوير هذه الخصال وتفعيلها من أجل مستقبل أفضل.
ولعله من المفيد ونحن نتطلع إلى رؤية شاملة لمستقبلنا، أن ننظر إلى الخصال الحميدة التي تم طرحها، والتي نحتاج إليها في الإنسان المسؤول عن بناء هذا المستقبل. هناك ثماني خصال تم طرحها في إطار "المسؤولية المعرفية" هي: "السعي إلى الحصول على المعرفة المفيدة واستيعابها"؛ و"العمل على تطبيقها" كي تصبح معرفة حية يستفيد منها المجتمع؛ واستخدام "تقنيات المعلومات والاتصالات" لتفعيلها؛ والحرص على "الشراكة" فيها؛ والحماس "للمعرفة المتجددة"؛ والعمل على الإسهام في "الإبداع والابتكار"؛ والاهتمام "بالاستثمار" في ذلك؛ إضافة إلى توخي "الحكمة" في كل ما نقوم به. والدرس الذي تعلمناه في هذا المجال من ديننا الإسلامي الحنيف هو أن "من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا".
وفي موضوع "المسؤولية الاجتماعية"، تضمنت الخصال التي تم طرحها التالي: "الالتزام بالقوانين والأنظمة"؛ و"أداء الأعمال على أفضل وجه ممكن"، وتذكر قول الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"؛ ثم "التفاعل مع المجتمع" واحتياجاته ومتطلباته؛ والإسهام في "العمل التطوعي" سواء في خدمات قائمة أو في تقديم "خدمات جديدة"؛ وتطبيق "الذكاء العاطفي" الذي يضبط سلوك الإنسان في المجتمع تجاه الآخرين وتجاه ذاته، والذي تحدثنا عنه في مقال سابق؛ ومطالبة الذات "بأداء الواجبات"، قبل "طلب الحقوق". ونصل هنا إلى الخصال المرتبطة "بالمسؤولية تجاه العالم". ولنا في هذا المجال درس تعلمناه من الآية الكريمة "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". في هذه الخصال: "النظرة الإنسانية" الجامعة؛ والرغبة في "التعرف على ثقافات العالم"؛ وتفهم "التعددية"، في إطار "المساواة" والاحترام المتبادل؛ و"الحوار الإيجابي" بين الحضارات؛ وتفضيل مبدأ "التعاون والشراكة" على الغالب والمغلوب؛ إضافة إلى "المحافظة على البيئة" وتجنب مسببات تلوثها.
يمكن النظر إلى الخصال الحميدة المطروحة فيما سبق على أنها منطلقات تفكير الإنسان وعمله في عالم اليوم، حيث المعرفة هي محور التسابق، بل التعاون بين الأمم على التنمية بصورها الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. ولعله لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الخصال ليست هي الخصال الحميدة الوحيدة التي نحتاج إليها، بل لا شك أن هناك خصالا أخرى مختلفة يمكن طرحها ومناقشتها بل تفعيلها أيضا. لكن هذه الخصال تبقى ذات أهمية كبيرة للتنمية المنشودة، خصوصا بعد طرحها مع نخبة من المفكرين والمهتمين. يضاف إلى ذلك أن الخبرة المتطورة للإنسان مع الزمن ربما تأتي بمزيد من الخصال الحميدة المطلوبة الأخرى.
ولعلنا نتساءل قبل أن نختم هذا المقال عن الجهة أو الجهات المسؤولة أو المؤثرة في تفعيل هذه الخصال الحميدة وغيرها في المجتمع. هل قطاع "التعليم" هو تلك الجهة؛ أم هو "الإعلام" والتقنية التي جعلته يتوسع في إمكاناته؛ أم "الأسرة" والتربية المنزلية؛ أم "البيئة الاجتماعية" بعاداتها وتقاليدها؛أم "بيئة الأعمال" بتشريعاتها وقوانينها؛ أم "البيئة الدولية" بما تعطيه من إمكانات مفيدة ومتجددة تعزز الخصال الحميدة، وما تطرحه من سلبيات تلحق الضرر بها؛ أم أي جهات أخرى مؤثرة؟.
لا شك أن جميع هذه الجهات سابقة الذكر جهات مؤثرة في تفعيل الخصال الحميدة المنشودة، أو ربما في إعاقتها. وإذا كان من جهة رئيسة أولى في هذا المجال، فلعلها "التعليم" لأنها الجهة الأولى المسؤولة عن بناء الإنسان؛ وإذا كان من جهة رئيسة ثانية، فلعلها "الإعلام" والبيئة الثقافية التي تحيط بالإنسان؛ ثم إذا كان هناك من جهة رئيسة ثالثة، فلعلها "بيئة الأعمال والأنظمة والإجراءات" المؤثرة في إنتاجية الإنسان وما يقدمه من عطاء يسهم في التنمية ويعزز استدامتها.
