واقعية الرؤية .. وجدية التحول

|
نحن دائما نطالب بالتغيير، ولكننا نقاوم كل من يبادر به. نحن كذلك نتوقع الأفضل، ولكننا لا نحب الأحلام التي لا تحمل إثباتاتها معها. نريد أن نتخذ أفضل القرارات، لكننا لن نبذل الجهد في الفهم والتقويم. نرى الإبداع من خزعبلات الترف الحضاري ونظن أن الحرية المالية خيال يصعب تطبيقه؛ وتنويع مصادر الدخل ورفع كفاءة الموارد البشرية وغير البشرية تحديات عجز المتقدمون والمتأخرون عن حلها. لكن اليوم، اختلفت التصورات وتحسنت الصورة وتجسد قبل ذلك العمل. هناك هدف محدد لكل جزء من كل، شفافية ووضوح، مؤشرات وأداء، مسؤوليات ومحاسبة، وخطة منضبطة زمنيا للتغير والتحول في برنامج وطني شامل يحقق رؤية الوطن في عقد ونصف، "رؤية السعودية 2030". تعرف اللحظة التاريخية بأنها الحدث الذي يتغير بعده مجرى التاريخ. وهذا فعليا ما يحدث الآن على مستوى التاريخ الوطني للتنمية الذي تتجدد عنده الرؤية ــ وتتبعها الممارسات بإذن الله ــ بطريقة لم نعهدها سابقا. نقطتان مهمتان رافقتا الإعلان عن برنامج التحول الوطني، مؤكدتان تاريخية هذه الأيام وأن القادم بعدها مختلف عما مضى، الأول أن الظروف التي يخرج فيها الإعلان ظروف تاريخية بامتياز، اقتصاديا وسياسيا وديموغرافيا. والثاني أن برنامج التحول الوطني يعد أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية الحكومية استقطابا للاهتمام الاجتماعي، وهذا مبرهن بالمتابعة والتكهنات المرافقة لجميع مراحل الإعلان حتى هذه اللحظة من شتى فئات المجتمع. ولكن أيضا يؤكد المؤرخون والمهتمون بتتبع اللحظات التاريخية الفارقة أن اللحظة التاريخية أو الحدث الذي يغير مجرى التاريخ لا يكون بتلك البساطة دائما، فالحدث التاريخي لا بد أن يتبع سلسلة من الأحداث التي تحفز وجوده، ويصنع أخرى تجسد أثره وحقيقته. هذا ما تؤكده التحديات الحاضرة التي وصلت إلى مرحلة متقدمة التعقيد والترابط، ويؤكده أيضا الجهد المبذول من فريق التحول الذي لم يخرج برؤيته بين ليلة وضحاها. حتى التخطيط يتطلب قدرا معتبرا من الجهد. قد يكون التخطيط مضنيا كما التنفيذ، بل أشد إجهادا، وهو يستحق النقد والتقييم كما التنفيذ كذلك، إلا أن الحكم على التنفيذ يكون بعد ــ وليس قبل ــ النتائج. وهذا لا يعني أن المخاطر مرتبطة بالتنفيذ فقط، تظل مخاطر الوقوع في مغالطات التخطيط واردة، ويتم فيها التقليل من وقت الإنجاز أو إمكانية تنفيذه ــ كما أشار داينييل كينمان وأموس فيرسكي في أبحاثهما عن التحيزات التي ترافق من يقوم بعملية التخطيط ــ لهذا، يصنع تكوين فِرق التخطيط الفارق، وذلك بالجمع بين التحيز السلبي والإيجابي ــ التنويع المضاد ــ الذي يقلل من تأثير هذه المغالطات، وهذا ما شعرنا به في أثناء جولات الجهات المرتبطة ببرنامج التحول، أي الجميع تقريبا، ممارسون ومراقبون ومستشارون. غطت تفاصيل البرنامج كثيرا من ملامح الطموح العالي الذي لم يخفه الأمير محمد بن سلمان واستخدمه صراحة كدافع للتغيير "يبتلع" المشكلات ويزيلها من طريقه ــ على حسب تعبيره ــ وهذا يعكس مستوى التفاصيل التي تمت مناقشتها في أثناء التخطيط، ونبل الدوافع التي ستستخدم كمحركات للعمل والإنتاج. ولكن، هذا لا يعني أن فريق "الرؤية" والتخطيط بقيادة الأمير محمد بن سلمان يضمن تنفيذ الأفكار واستغلال الحوافز، يظل التغيير معقودا بكثير من المتغييرات التي تنتج عن ممارسات الجميع من الأفراد والمسؤولين، ما داموا يبدأون يومهم بدور ما، ويتوقع منهم المجتمع ما يقابل هذا الدور من نتائج، "التحول بنا والنتائج لنا". مرت بالمملكة عديد من مراحل التحول خلال الـ 100 سنة السابقة. كانت تحولات جذرية على جميع الأصعدة الحياتية، لا أعتقد أننا نقدر هذا التحولات كما يجب، ففيها كثير من العبر والعطاءات المقدمة من سابقينا. ما يميز التحول القادم أنه مر ــ خلال العقد الأخير على الأقل ــ بمراحل بناء مميزة تم فيها تصعيد عدد من القيادات الشابة، وتنفيس مزيد من الحريات المنضبطة، وإعداد جيش من المتعلمين الأذكياء والمهنيين المهرة، هم قادرون بإذن الله مع جميع الأدوات المتطورة القائمة والأخرى التي بصدد الخروج، وبوجود القيادة الفاعلة القائمة على الشمولية والمُلمة بالتفاصيل، على نقل الرؤية الطموحة للواقع، لنا وللأجيال القادمة من بعدنا بإذن الله.
إنشرها