التحول الوطني الكبير .. سرعة المسيرة لمستقبل واعد «1 من 2»

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

مع بداية العهد الجديد وفي الأشهر الأولى من عام 2015، طرحت في هذه الصحيفة السباقة سلسلة من المقالات، تطرقت فيها عن الحاجة أو حتمية مراجعة الاستراتيجية الاقتصادية ووجوب تنويع مصادر الدخل، وذلك بالتركيز على المميزات النسبية التي حبانا الله بها بتأسيس الاقتصاد الوطني على الركيزة الإسلامية بوجود الحرمين الشريفين، وقوتنا الاستثمارية المتشكلة في احتياطياتنا النقدية التي تبلغ 780 مليار دولار، ووجود البترول بكميات كبيرة لخلق صناعات محلية وموقع المملكة الجغرافي المميز؛ ثم جاءت القرارت السريعة والحاسمة باختيار الأمير محمد بن سلمان وليا لولي العهد، وتعيينه نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء وزيرا للدفاع ورئيسا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، جاءت ــ كما ذكرت ذلك في مقال آخر في "الاقتصادية" ــ كصمام أمان للأمن الوطني ومصدر ثقة واستقرار للأمن الاقتصادي. (انظر سلسلة مقالات انخفاض أسعار النفط والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، "الاقتصادية" فبراير 2015 العدد 7797 والعدد 7804 والعدد 7811 والعدد 7818 والعدد 7832 والعدد7839 والعدد 7853، وكذلك "المحمدان صمام أمان" العدد 7872). ولدهشتي وربما لدهشة معظم القراء المتابعين، جاءت تفاؤلاتنا في تلك المقالات ليس فقط مطابقة للواقع، بل إن تلك المقترحات وأجزاء منها لم يتسن لنا بتحقيق أي منها على مستوى الوطن منذ أن وضعنا أول خطة خمسية عام 1970 إلى الآن. ولقد جاءت رؤية الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بعد إقرارها كرؤية المملكة العربية السعودية 2030 خلال جلسة مجلس الوزراء أمس، كمن وضع تلك الأهداف الطموحة على نار حامية لتحقيقها بسرعة فائقة، محددا بذلك مسيرة للمستقبل وإنجازها وتحقيقها بتواريخ محددة، وفي دفعات قوية لمنهج التحول الوطني، بدأت من مطلع هذا العام، المتضمن إصلاحات شاملة وآليات محددة بما في ذلك تحرير للأسواق من خلال خصخصة القطاعات المختلفة من نشاطات المملكة الاقتصادية، هادفا في ذلك إلى رفع مستوى الشفافية والمراقبة والإدارة الفعالة بعيدا عن البيروقراطية وترهلاتها غير المحمودة، وفي حقيقة الأمر أن تلك الرؤية تخطت جميع توقعات المراقبين والمحللين، حينما أعلن عن أن حكومة المملكة تدرس طرح ما يقارب 5 في المائة من أسهم عملاق النفط العالمي شركة أرامكو الأم في اكتتاب أولى، وذلك لتعزز خدمة أهداف شركة أرامكو نفسها.. "بإيجاد قدر أكبر من الشفافية والمكافحة لأي نوع من أنواع الفساد الذي قد يكون موجودا في محيط أرامكو". وبيّن ولي ولي العهد منذ تعيينه رئيسا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، أنه وضع نصب عينيه مقدرات المملكة العظيمة، وبرؤية طموحة ستبتلع معظم الأزمات والإخفاقات الملحة في وقتنا الحاضر، مثل الفساد الإداري والبطالة وأزمة الإسكان، من خلال طرح حزمة كبيرة من مشاريعها للاكتتاب في عدة قطاعات، وتحويلها إلى عملاق صناعي على مستوى العالم، وإنشاء أكبر صندوق سيادي يدار من قبل الاستثمارات العامة، وتشجيع كبريات الشركات السعودية كلاعب أساسي في أسواق العالم، ومساعدة الشركات الواعدة لتتبوأ مكانها بين الشركات الكبرى، واستثمار الثروات في الداخل، بإيجاد مزيد من الفرص الوظيفية والاقتصادية، مجسدا ذلك في أعداد كبيرة من الأهداف تندرج تحت ثلاثة مواضيع: وطن طموح، ومجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، برفع نسبة الصادرات غير النفطية إلى 50 في المائة وبتنافسية جاذبة ورفع نسبة الاستثمارات الأجنبية إلى المعدل العالمي، ورفع قيمة أصول صندوق الاستثمارات إلى سبعة تريليونات ريال، وتخفيض مستوى البطالة من 11 إلى 7 في المائة، ومجتمع حيوي ببنيان متين وبزيادة متوسط العمر المتوقع من 74 إلى 80 عاما ورفع مؤشر رأس المال الاجتماعي إلى المرتبة العاشرة، ورفع عدد المواقع الأثرية المسجلة لدى "يونيسكو" إلى الضعف، وزيادة الطاقة الاستيعابية لاستقبال ضيوف الرحمن المعتمرين إلى 30 مليون معتمر سنويا، ووطن طموح بمواطنة مسؤولة، ورفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ورفع نسبة مدخرات الأسر من إجمالي دخلها من 6 في المائة إلى 10 في المائة. وثالثا حكومة فاعلة، وذلك لتحقيق وصولها من المركز الـ 36 إلى المراكز الخامس في الحكومة الإلكترونية، وتوصيلها إلى الدرجة 20 في مؤشر فاعلية الحكومة، وزيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية من 163 مليار ريال إلى تريليون ريال. وفي هذا المقال سنتطرق إلى أهم المواضيع في التحول الوطني، وهما الموضوعان الأساسيان: موضوع الخصخصة بمفهومها العام وتحريرها للأسواق، الذي يأتي في سياق برنامج التحول الوطني الطموح الذي تنتهجه المملكة للتخلص من الحجم الزائد للقطاع العام، وتحقيق الكفاءة الاقتصادية بصفة عامة والكفاءة الإنتاجية، والقضاء على المظاهر السلبية لانخفاض الكفاءة الإنتاجية في وحدات القطاع العام بصفة خاصة، والموضوع المهم الثاني هو الخيارات المتاحة لخصخصة شركة أرامكو نفسها، عملاقة النفط العالمية. مفهوم الخصخصة: لب برنامج التحول الوطني نظرا لأهمية تعريف الخصخصة قبل الخوض في تفاصيل البحث، فإن للإصلاح الاقتصادي مدارس ومسارات واتجاهات عديدة، وفي خلال الثمانينيات ووصول المحافظين لسدة الحكم في بريطانيا وأمريكا، تبوأ منها ما عرف في الأدب الاقتصادي بالخصخصة أو التخصيص privatization مع ما يعرف بالثورة التاتشرية نسبة إلى ماجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا التي تبنت الخصخصة وجعلتها منهجا وأسلوبا اعتمد عليه عديد من الدول بما فيها الولايات المتحدة خلال إدارة رونالد ريجين فيما يعرف بالتحرر Deregulation أو التحرر من القيود القانونية، وفي الاتحاد السوفياتي تحت جورباتشوف آنذاك بالجلاسنوست glasnost أي التحرر بشقيه السياسي والاقتصادي، أي أن الخصخصة برزت مع التغييرات الجذرية لمفهوم أو فلسفة مسؤولية الدولة من إدارة الاقتصاد ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتحريره، ومشاركة القطاع الخاص في إدارته. وبشكل بسيط فإنها عكس التأميم الذي كان متبعا في الستينيات من القرن المنصرم، أي أنها نقل ملكية أو إدارة نشاط اقتصادي ما، إما جزئيا وإما كليا إلى القطاع الخاص، وذلك بتحرير السوق وعدم تدخل الدولة إلا في حالات الضرورة القصوى عبر أدوات محددة، لضمان استقرار السوق والحد من تقلباتها، أي أنه بمثابة نقلة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة وفلسفة جديدة لدور الدولة للتخلص من الحجم الزائد للقطاع العام، وتحقيق الكفاءة الاقتصادية بصفة عامة، والكفاءة الإنتاجية في وحدات القطاع العام بصفة خاصة. ولقد استحوذت ظاهرة أو فلسفة الثمانينيات الاقتصادية موضوعا رئيسا يتم استخدامه في معظم الدول والسياسات الاقتصادية وبتسمياتها المختلفة، على اهتمام معظم دول العالم سواء كانت متقدمة أو نامية، وجميع تلك التسميات تعبر عن مصطلح اقتصادي مفاده التخصيص أو باللغة الإنكليزية أو الفرنسية privatization، أي بتحويل القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتركيز اهتمام الدولة وقطاعها العام وفقا لتلك الفلسفة الاقتصادية الحديثة على الأمور التي ترتبط بسياستها العليا كالأمور السياسية والإدارية والأمنية والاجتماعية، وتحرير سائر الأمور الأخرى للقطاع الخاص في إطار القوانين المنظمة لعمل هذا القطاع. وعليه فالخصخصة استراتيجيات وأساليب تنفيذ، منها ما هو بسيط، وهو ما حققته المملكة بشكل تدريجي خلال التسعينيات من القرن المنصرم حينما خصخصت جزئيا شركة سابك تلتها شركة معادن، ومنها ما هو شامل بمحاور متعددة يهدف إلى إصلاح جزئي للأوضاع الاقتصادية في الدولة، وذلك بإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني برمته وتحرير كل الأنشطة الاقتصادية المملوكة للدولة، وهذا الذي ستتبعه حكومة المملكة وفقا لما صرح به رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بنية حكومة خادم الحرمين خصخصة قطاعات الدولة مثل الرعاية الصحية والقطاع التعليمي وبعض القطاعات العسكرية مثل المصانع العسكرية والشركات المملوكة من قبل الدولة، بما فيها شركة أرامكو. وذكر رئيس مجلس الشؤون الاقتصدية والتنمية أن الهدف من خصخصة "أرامكو" هو لخدمة ثلاثة محاور: دعم السوق، الشفافية، ومكافحة الفساد. أهمية التدرج والانتقائية في الخصخصة وإيجاد البيئة الاقتصادية لا شك في أهمية التدرج والانتقائية في الخصخصة وإيجاد البيئة الاقتصادية والاجتماعية المناسبة، حيث إنه خلال الـ 30 عاما الماضية تمخضت تجارب عديدة للخصخصة بنتائج مختلفة، وأدى التسرع في نهج الخصخصة إلى عدم الوصول إلى تحقيق الهدف المنشود منها، وعليه فإن إيجاد بيئة اقتصادية مستقرة، وتحديد مبادئ توجيهية واضحة، وإيجاد ثقافة للخصخصة بقناعات عامة وبمراعاة المصلحة العامة لذوي الدخول المتوسطة والدنيا، والتدرج والانتقائية، كانت من عناصر النجاح وتحقيق الأهداف المرجوة من الخصخصة، لذلك نجد أن بريطانيا خلال حكومة المحافظين التي تبنّت تجربة الخصخصة في عهد رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر كانت انتقائية وقليلة ومتدرجة، وبالرغم من ذلك لم تسلم من إضرابات عمالية وخصوصا عمال مناجم الفحم، التي كادت تودي بحكومة تاتشر المحافظة لولا مساعدة إدارة ريجن وتدخلها لمساندة حكومة تاتشر، ثم انخراطها في حرب الفوكلاند، التي أدى انتصارها على الأرجنتين في ازدياد شعبيتها وتخطيها أزمات الخصخصة داخليا. ومن بين التحارب أيضا عمليات الخصخصة في دول الاتحاد السوفياتي السابق، التي كانت متسارعه وبلا حدود وبيعت فيها كل المؤسسات العامة في زمن قصير جدا، وبالطبع لم يحالفها النجاح المنشود، لأنها أوجدت فجوة كبيرة بين جيل مشبع بثقافة الملكية العامة الموروثة إلى الخصخصة والرأسمالية، وما نتج عنه من استغلال القلة بالاستحواذ على الممتلكات العامة واحتكارها، ولولا أن الدول الأوروبية الغربية هبت لإنقاذها لتداعت وانهارت ولجأت إلى نوع من أنواع الاقتصاد الشمولي مرة أخرى. كما أن من أنجح التجارب في الخصخصة، ذلك النهج الذي تبنته الصين وكذلك ماليزيا في إنجاز الخصخصة، فالتجربة الصينية في الخصخصة كانت متدرجة وانتقائية في آن واحد، بدأت منذ زيارة نيكسون عام 1976 والاعتراف بالصين الشعبية كدولة تمثل الصين بدلا من تايوان، ومنها بدأ الانفتاح الحذر على العالم الرأسمالي وأخذت في التدرج البطيء والمحسوب بعناية فائقة. حيث قامت باختيار أسلوبها بعناية فائقة وفقا لكل حالة بعينها وخصوصيتها، فاستخدمت ثلاثة أساليب وفقا للهدف المراد تحقيقه من برنامج الخصخصة، والوضع المالي للمؤسسة العامة، وإمكانية حشد وتعبئة موارد القطاع الخاص، والظروف السياسية المواتية والعناصر المؤثرة في اختيار الوسيلة، وذلك باتباعها ما هو شمولي كتصفية بعض من المؤسسات العامة، أما الأسلوب الآخر هو أوسطها لبعض المؤسسات الأخرى، ووفقا للحالة التي هي عليها تلك المؤسسات كبيع أسهم المؤسسة المعنية للعاملين وصغار المستثمرين، فيما كان الأسلوب أو النهج الثالث هو الأقل صرامة كإعادة تنظيم المؤسسة العامة إلى فروع صغيرة أو دمجها في مؤسسة كبيرة، وبعد نجاح تلك التجربة في الخصخصة أطلقت إصلاحات مساندة في 2010 هدفت لتنويع اقتصادها بعيدا عن تصدير السلع، ولجذب مزيد من المستثمرين الأجانب، وبالفعل تمكنت ماليزيا من زيادة نصيب القطاع الخاص من الاستثمارات بصورة كبيرة ليصل إلى 64 في المائة في 2014 من 55 في المائة في 2010، لكن لم تنجح في التعامل مع عملتها التي هبطت تزامنا مع هبوط أسعار السلع الأولية. والمقال التالي سنخصصه لخصخصة عملاق النفط شركة أرامكو السعودية.
إنشرها