مقترحات لتطوير الإجراءات القضائية «1»

|
تشهد السعودية ثورة تنظيمية لامست أغلب جوانب الحياة المدنية، وذلك من خلال إصدار أنظمة تهدف إلى ملء فراغ تشريعي طال انتظاره. القطاعات العدلية أحد الجهات التي تأثرت بهذه الثورة حيث طُورت وعدلت أنظمة عدة ساعدت على نقل إجراءات التقاضي من النمط القديم المتصلب إلى النمط الحديث المرن. وحيث إن الوسائل الإجرائية متجددة ومتغيرة فلابد من تطورها من حين لآخر عبر إضافة وتجديد بعض الأدوات التنظيمية التي تهدف إلى اختصار خطوات الترافع وتسهيل عملية التقاضي. فيما يلي بعض الاقتراحات لتطوير إجراءات الترافع أمام المحاكم السعودية استمددتها من بعض الدول الغربية والعربية المتطورة إجرائيا: 1. إجراء "المكاشفة" أو "الإفصاح": مما يتميز به القضاء الأمريكي والبريطاني إجراء قديم معروف يسمى في أمريكا بـ"Discovery" ويعرف في بريطانيا بـ"Disclosure" ويمكن ترجمته بـ"المكاشفة" أو "الإفصاح". وهذا المبدأ هو إجراء من إجراءات ما قبل المحاكمة ويقصد به أن لكل طرف من أطراف القضية -بقوة قانون المرافعات- الحق في الحصول على جميع الأدلة والبيانات المتعلقة بالقضية من الطرف الآخر قبل بدء الترافع. ويشمل ذلك الاستجوابات، والوثائق، والشهادات وغيرها وفق أطر قانونية دقيقة منصوص عليها في قانون المرافعات. وبعد إظهار جميع الأدلة للطرف الآخر تجمع ثم ترسل نسخة منها إلى المحكمة. ويهدف هذا الإجراء إلى أمرين: ‌أ- أن كثيرا من القضايا تنتهي بالصلح عند هذه المرحلة بسبب ظهور أدلة قد يجهلها أحد الأطراف وتبين قوة أو ضعف مركزه القانوني. وبعض الدراسات أثبتت أن هذا الإجراء أدى إلى الصلح بنسبة تصل إلى 30 في المائة. ‌ب- بعد إرسال جميع أدلة وإثباتات القضية إلى المحكمة، لا يحق لأي طرف إضافة أي دليل إلى القضية إلا وفقا لاستثناءات ضيقة. ويهدف هذا القيد إلى سرعة البت في القضايا لاكتمال البيانات أمام القاضي، فلا يمكن لأي خصم المماطلة في القضية وتأجيل الجلسات لإحضارها. كما يهدف إلى عدم إشغال القاضي بمطالبة الخصوم بأمور إدارية أو تكليفية قد لا تتعلق موضوعيا بماهية الدعوى. 2. إجراء "الحكم المختصر" أو "الدفوع المستعجلة": يتميز القضاء الأمريكي بمبدأ مهم يختصر على القاضي والمترافعين طول جلسات التقاضي غير المفيدة. يعرف هذا المبدأ بـSummary judgment أو Judgment as a matter of law ويمكن ترجمته بـ"الحكم السريع" أو "الحكم في شأن قانوني". يعنى هذا المبدأ بمنح أطراف الدعوى الحق في الطلب من القاضي بالنظر بشكل مستعجل في دفع شكلي قبل المضي في نظر الدعوى موضوعا. من أمثلة الدفوع الشكلية التي يحق لأطراف الدعوى طلبها بشكل مستعجل هي: عدم الاختصاص الزماني، عدم الاختصاص المكاني، عدم الاختصاص الموضوعي، عدم الصفة للمدعي أو المدعى عليه، السبق بالحكم في القضية، عدم وجود صلح أو حكم تحكيمي سابق، وغيرها من الشروط الشكلية المعروفة. ووفقا للإجراءات الحالية في السعودية، لا ينظر القاضي في دفع أحد أطراف الدعوى بعدم توافر أحد الشروط الشكلية "كالاختصاص الموضوعي" إلا بعد تبادل الخصوم المذكرات وتهيئة الدعوى للحكم، التي عادة تأخذ جلسات عديدة. في المقابل، يحق لأطراف الدعوى في القانون الأمريكي تقديم دفوع مستعجلة للنظر في تحقق الشروط الشكلية قبل المضي في الدعوى. فإذا لم تتحقق أحد الشروط الشكلية، حكم فيها القاضي بصرف النظر في الدعوى قبل النظر في موضوعها. أما إذا تحققت جميع الشروط الشكلية فيمضي القاضي في سماع الدعوى. فهذا الإجراء حفظ على القاضي وأطراف الدعوى وقتا طويلا كاد يضيع لولا هذا الإجراء. وقد ذكر لي أحد المحامين في السعودية أنه ترافع في قضية، وكان يدفع من أول جلسة بعدم الاختصاص الموضوعي. وبعد ست جلسات من تبادل المذكرات في موضوع الدعوى، حكم القاضي بعدم الاختصاص الموضوعي بنظر الدعوى! فمع تبني هذا المبدأ، سيحكم القاضي من الجلسة الأولى بناء على دفع مستعجل من المدعى عليه بعدم الاختصاص الموضوعي، الذي سيحفظ على القضاء خمس جلسات قضائية.
إنشرها