قبل قرابة تسع سنوات، كنت قد كتبت مقالا في هذه الجريدة بعنوان "هل نظل ندفع ثمن من يسيء استخدام الأنظمة التأمينية؟" وتنبأت من خلال المقال بارتفاع تأمين السيارة والتأمين الصحي بصورة متلاحقة، وذكرت أن السوق التأمينية تنطبق عليها عبارة "حلول اليوم مشكلات المستقبل"، ولا تزال هذه الجملة صحيحة إلى إشعار آخر.
فمؤسسة النقد لم تستطع التحكم في الزيادات المتتالية لقيمة بوليصة تأمين السيارة. فالارتفاعات متلاحقة خلال فترة أقل من ثلاث سنوات من 590 ريالا إلى 850 ريالا، ومن ثم إلى 1500 ريال. هذه الزيادات لا يمكن تبريرها بأنها بناء على تقرير الخبير الاكتواري؛ لأنها حدثت بنسب متتالية وسريعة وخلال فترة زمنية محدودة جدا.
هذه الزيادات تدل على أمرين لا ثالث لهما: إما أن الخبير الاكتواري لا يملك الخبرة الكافية للقيام بمثل هذه الدراسات؛ لذا فهذه الزيادات السريعة تعطي مؤشرا على تخبط وقلة خبرة الخبير الاكتواري، وإما أن هذه الزيادات بناها الخبير الاكتواري على تنبؤات لم تحدث كحدوث كوارث طبيعية مفاجئة- لا سمح الله!
أعتقد أن جزءا كبيرا من هذه المشكلة يعود إلى حاجة مؤسسة النقد إلى اتخاذ إجراءات أخرى تسهم في حماية المستفيد من خدمة تأمين السيارة. فمثلا نحن بحاجة إلى مراجعة الاشتراطات المتعلقة بتأسيس شركات التأمين؛ فإذا كانت وزارة المالية قد حددت 100 مليون ريال للملاءة المالية لشركات التأمين، و200 مليون ريال للملاءة المالية لشركات إعادة التأمين، فهذا المبلغ بحاجة إلى زيادة لأن شركات التأمين أصبحت مثل الدكاكين، هذه الزيادة قد تكون مهمة جدا من أجل تنظيف السوق التأمينية من الشركات ذات الجودة والخبرة المحدودة؛ فالسوق التأمينية بحاجة إلى حماية من الشركات التي تعبث بها وتفقد الناس الثقة ليس فقط بشركات التأمين، وإنما بالتأمين كقطاع اقتصادي مهم.
قد نتفهم دوافع مؤسسة النقد عندما شجعت الاستثمار في التأمين، ومن ضمن هذه التسهيلات محدودية رأس المال اللازمة لتأسيس شركة تأمين. لكن بعد مرور أكثر من عقد من الزمان، فمن المفترض أن نكون قد تجاوزنا مرحلة التأسيس وبدأنا مرحلة رفع جودة السوق التأمينية وإعادة ترتيب الأولويات وفقا لهذه المرحلة؛ فكثير من الدول حدت من تلاعب شركات التأمين وتمكنت من رفع جودة الخدمات التأمينية وحماية المستفيدين من الخدمات التأمينية عبر زيادة الاشتراطات الخاصة برأس المال اللازم لتأسيس شركة تأمين.
وقد يكون جزء من مشكلة الزيادات الفلكية يعود إلى ضعف الخبرة اللازمة لإدارة شركات التأمين. فسوق التأمين يسيطر عليها غير المختصين ومحدودو الخبرة، والأسوأ من هذا أن معظمهم من غير السعوديين؛ فعلى الرغم من وجود نص في اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين بأن عليها وضع خطة لتوظيف السعوديين حسب المادة الرابعة من شروط فتح ترخيص شركة تأمين، لكن نسبة السعودة ما زالت محدودة؛ فنسبة السعودة لم تتجاوز 39 في المائة لعام 2012 في الأعمال الإدارية، كما أن نسبة السعودة لنشاط التأمين بشكل عام لم تتجاوز 55 في المائة. ومن المعلوم أن قطاع التأمين من القطاعات التي تقدم مميزات وظيفية مميزة؛ لذا فقطاع التأمين من المفترض أن يكون من الأهداف الرئيسة للسعودة، خصوصا أن قطاع التأمين يتشابه إلى حد كبير مع القطاع المصرفي الذي نجحت فيه السعودة بصورة جيدة. ولعل جزءا من محدودية سعودة هذا القطاع يعود إلى سيطرة العمالة غير السعودية على هذا القطاع وشركات الوساطة التأمينية.
أما الحل الجذري لمشكلة التأمين، حتى نتجاوز عبارة "حلول اليوم مشكلات المستقبل"، فإن المرحلة تقتضي تأسيس هيئة للتأمين، هذه الهيئة تتولى إدارة كل أنواع التأمين بما في ذلك تأمين السيارة والتأمين الصحي؛ فالتأمين أصبح رافدا اقتصاديا مهما، يستحق منا أن تكون له هيئة اعتبارية تدير شؤونه؛ فمن غير المبرر أن تستمر الازدواجية في التعامل مع التأمين بين مؤسسة النقد ومجلس الضمان الصحي التعاوني في تأهيل شركات التأمين الصحي، بينما بقية الأنواع تتولى إدارتها إدارة ضمن إدارات مؤسسة النقد المتعددة؛ فمتى نراها؟
