خير حكمة يمكن أن تهديها لليوناني جورجيوس دونيس مدرب الهلال، هي مقولة مواطنه القديم هيراقليتوس: “إننا لا نستحم في النهر مرتين”. وهيراقل، إغريقي قديم ينتمي للأسرة المالكة آنذاك، وواحد من فلاسفة البلاد التي خرج عنها، أفلاطون وأرسطو وشيخهم سقراط الملقب بالمعلم.
.. أما عبارة هيراقليتوس التي ورّثها للبشرية، كانت نتاجا عن دراساته حول الثبات والحركة، التي صدّر عنها نظريته المعروفة، والتفسير البسيط لها، أنك إذا نزلت إلى النهر لتسبح وخرجت، ثم عدت للنزول مرة أخرى في المكان ذاته، فإنك لن تجد المياه ذاتها في المرة الأولى، لأن مياه النهر متحركة، ولاحقا عبرت مقولة هيراقل الفلسفية مناخات عدة فاستخدمت في الفلسفة والاجتماع والتاريخ وكل المعارف الاجتماعية كل بحسب تفسيره الخاص لها.
الفيلسوف اليوناني الهلالي دونيس، رجل منظم، رأينا معه فريقا أزرق ينبئ عن عمل وجهد وراءه، يقول عنه الكابتن حمزة إدريس: “منهجيته واضحة لا خداع ولا أسرار فيها، هو كتاب مفتوح، ولكنك لا تستطيع السيطرة عليه تماما لأنه يجيد تفجير الطاقات في أفراد فريقه، واستغلال كل قدراتهم، هو رجل يعتقد أن لديه حلولا دائما”، وهذا صحيح، خاصة الجملة الأخيرة، ومع كل إعجابي بدونيس، إلا أنه فعلا يستحق أن أقول له: لا يمكنك أن تستحم في النهر مرتين” أما لماذا؟ فجورجيوس سليل الإغريق منذ أن أتى للهلال وهو يتأخر أمام الفرق الكبيرة، تأخر أمام النصر في نهائي الكأس، ولحق في الرمق الأخير قبل أن يتوج باللقب من نقطة الجزاء، واجه أهلي دبي في نصف النهائي مرتين، وفي كلا المرتين كان يتأخر، التقى بالاتحاد في اختبار قوي في الدوري المحلي، وظل طوال المباراة يتأخر ويحاول اللحاق حتى بلغ خط النهاية خاسرا، وأخيرا لعب أمام الأهلي في مواجهة صاخبة، وأيضا لم ينجح في التقدم وظل يلاحق الأهلي طوال المباراة. مباراتان من أصل سبع، واحدة أمام النصر في السوبر وثانية أمام الشباب في الدوري، لم تهتز شباك دونيس فيهما أولا، البقية كان دائما يتأخر، يعود، أو لا يعود، وما السبب يا ترى؟ وهو في كل مرة يعتقد أن الظروف متشابهة وسيعود.
أعتقد أن دونيس يغامر كثيرا في خطوطه الخلفية، في أي معركة، لا يمكن أن تكون خطوط الدفاع هي خطوط الهجوم ذاتها تماما، ذلك يحول المشهد إلى ما يشبه الانتحار، لا يمكن أيضا الاعتقاد بأنك تستطيع العودة في كل مرة تتأخر، فظروف المباريات تختلف والتفاصيل الصغيرة تحسم الأحداث الكبيرة، والخصوم يتعلمون من الدروس، ويبنون استراتيجياتهم على التجارب الماضية، ومياه النهر تتحرك فلا يمكن الاستحمام بها مرتين.
أكثر من مرة، عدّل جورجيوس فريقه في الحصة الثانية، واستنفد جهدا مضاعفا، في مرة نجح وفي أخرى خسر، ولكنه لم يتعلم من الدرس، ما زال يبدأ المباراة بالخطأ ذاته، وأخشى أن يكون الإغريقي جورجيوس صدق مقولة بعض النقاد: “الشوط الثاني شوط المدربين”، فكل المباراة وما قبلها تدار بالمدربين نفسهم، بل إن ما قبل المباراة أهم وأكثر تأثيرا.
حال دونيس مع الهلال، وسقوطه المتكرر تجعلني أتساءل: هل جورجيوس هو الذي صنع ونظم ورتب الأزرق الحالي، أم أن المجموعة الزرقاء الحالية هي التي صنعت دونيس؟ إذا استطعنا الإجابة بدقة على هذا السؤال، يمكن الوصول إلى قرار صائب حول مستقبل ابن الإغريق مع زعيم الكرة السعودية.
