الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

توطين القطاعات في بلدان مجلس التعاون الخليجي أمر بات ضروريا جدا، لأن كل اقتصادات هذه المنطقة تتحرك وفق أسس متجددة، وتطورات بعضها يمثل مفاجآت، وبعضها الآخر يدخل في نطاق الاستحقاقات. وإذا كان التوطين في بلدان الخليج العربية مطلوبا، فإن "خلجنة" القطاعات المختلفة عملية تأتي في المرحلة الثانية. المهم أن تكون هناك قاعدة وطنية لهذا القطاع أو ذاك، ولو استعصى التوطين الكامل فيه، تأتي الأولوية الثانية وهي "الخلجنة"، أي فتحه على المصادر الخليجية سواء المالية أو البشرية أو غير ذلك. نهوض بلدان مجلس التعاون يسير في الواقع وفق أسس مشتركة، وبالتالي فإن أي توجه للتوطين بصيغته العامة، سيدعم هذه المسيرة، التي تبدو أنها ماضية في طريقها رغم الصعوبات التي ظهرت على الساحة في الأشهر القليلة الماضية.

يمثل مشروع السكك الحديدية في بلدان الخليج، قطاعا مهما للغاية على الصعيد المادي، وكذلك الأمر على الصعيد التنموي، بل المعنوي أيضا. فمثل هذه المشاريع تبقى جديدة على منطقة الخليج، بصرف النظر عن بعض المشاريع الصغيرة التي تمت في السنوات الماضية. يضاف إلى ذلك، أن الأموال المرصودة لإتمام المشاريع الخليجية المرتبطة بالسكك الحديدية كبيرة للغاية. تصل هذه الأموال إلى أكثر من 200 مليار دولار، فيما يصل طول الخط الحديدي الخليجي إلى 40 ألف كيلو متر. ولو أضفنا الاستثمارات المحلية في مشاريع السكك هذه في كل بلد خليجي، فإن الأموال المخصصة لإتمام الشبكة بين الدول وربطها بالشبكات الداخلية المحلية، سترتفع إلى مستويات عالية جدا.

هذا في مرحلة البناء والإنشاء. أما في مرحلة التشغيل، فهناك قطاعات كبرى ذات صلة بشبكة السكك الحديدية الخليجية، وكلها توفر فرصا وإمكانات وعوائد وأرباحا، ما يزيد من أهمية البحث في مسألة توطين هذا القطاع. غير أن التوطين المطلوب ينبغي ألا يتم لمجرد تحقيق التوطين، بل يجب أن يحقق الأهداف الموضوعة له، على صعيد النتائج والإنجازات وسير الأعمال في كل المراحل التي يمر بها هذا القطاع الحيوي الكبير. إنه قطاع لا يزال يحتاج إلى خبرات أجنبية غير خليجية، لسبب معروف، وهو أن بلدان الخليج لا تزال في نطاق التكوين في هذا المجال وليس التمكين. وهذا الأخير يحتاج إلى وقت وإلى سلسلة من التراكم الخبراتي الذي لا يظهر إلا مع الزمن.

ورغم ذلك، هناك مجالات واسعة لتوطين القطاع، وأيضا الصناعات المساندة له بما في ذلك دفع القطاع الخاص ليكون لاعبا رئيسا في هذا المجال الاستراتيجي. هذا الأمر بكل متعلقاته، يطرح من كل جوانبه بين المسؤولين والمختصين وأصحاب الشأن من القطاع الخلص في الخليج، ما يوفر الأسس العملية للوصول إلى أفضل صيغة "توطينية" للسكك الحديدية، وبالتالي يكفل عوائد على المدى الاستراتيجي وليس المرحلي فقط. ومما لا شك فيه، أن اجتماع الرياض بهذا الخصوص، يدفع بالاتجاه الصحيح، خصوصا أن مناقشة التوطين المشار إليه تتم على أسس عملية وليست وطنية "عاطفية" فقط.

إن المسألة تحتاج إلى جهود كبيرة، فالتوطين في أي مجال كان، يحتاج إلى تأهيل الكوادر اللازمة له، فكيف الحاجة بقطاع ليس فقط جديدا على منطقة الخليج فيما لو قورن بمناطق أخرى من العالم، بل أيضا متشعب من حيث المتطلبات التشغيلية، ومتشابك من جهة الأداء بين كل البلدان الخليجية المشتركة فيه. إنها عملية طموحة، لكنها ضرورية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع حيوية ذات أبعاد استراتيجية. ومما لا شك فيه، ستتحقق الأهداف إذا ما سارت وفق أطر واقعية صرفة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية