تداعيات تحجيم دور إيران النووي الإقليمية

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

إن أسعار البترول بصورة جوهرية تتأثر وتؤثر في موازين القوى العالمية والإقليمية، وبالتالي فإن الدول التي استطاعت أن تكون طرفا في الصراعات الموجودة في الشرق الأوسط لن تستطيع استكمال هذا الدور دون البترول، وبمعنى آخر فالدول التي تضخم دورها في صراعات المنطقة اعتمادا على هذا المورد هي نفسها قد تتأثر بانخفاض أسعاره، ولذلك فإن انخفاض أسعار البترول له أهمية قصوى للتطورات المحتملة في التداعيات المترتبة عليه. فأسعار النفط تخضع لعوامل متشابكة، وهي في تغير وتطور مستمر، منها ما هو متوقع، ومنها ما هو غير ذلك، فالعلاقة بين سعر النفط والطلب معقدة جدا وتتفاعل مع عناصر كثيرة، يستحيل التنبؤ بحدوثها، وتؤثر في تقديرات العرض والطلب المستقبلي وبالتالي في أسعار النفط. ويوم أمس توصلت أمريكا وإيران إلى اتفاق نووي مبدئي شامل بعد مفاوضات طويلة، يمنع بموجبها وقف مساعي إيران إلى تصنيع وامتلاك قنبلة نووية وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي من 19 ألفا إلى 6 آلاف، وستكون مدة هذه الاتفاقية عشر سنوات، بحيث يتم صوغ الاتفاق النهائي بحلول نهاية شهر حزيران (يونيو) القادم، في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والموافقة على برنامج نووي سلمي لإيران. وإيران قبلت بالتوقيع على اتفاقية فيها تحجيم لدورها النووي على الساحة الدولية، رغبة منها في رفع العقوبات والسماح لها ببيع نفطها، ولأن التغيير الاستراتيجي في الهيمنة ليس كما هو في الجيل السابق من الحروب، أي عبر شن الحروب الكلاسيكية، كما كان الدرس مستوعبا لدى إيران في حربها مع العراق خلال الثمانينيات وهزيمتها، بل إن الجيل الجديد من الحروب هو الحرب بالوكالة وعدم الدخول في أي حرب مباشرة، ولكن من خلال من يقوم بالوكالة عنها وعبر أطراف محلية وتسخير جيل إرادات الغير في تنفيذ المخططات التي تستنزف الجانب الآخر الذي يخوض الحرب الكلاسيكية، وبالتالي يغني عن الجيوش والطائرات والمدافع وفي الوقت نفسه استنزاف العدو. وكما للحروب الكلاسيكية تكاليفها الباهظة وخططها، فإن لحروب الوكالة التي تعرف الآن بحرب الجيل الرابع تقنياتها وأساليبها والأقل كلفة من حيث ارتكازها على الخفية وإتقان الخداع وتحقيق الهدف بأيدي مواطنين محليين من رجال ونساء وأطفال مستغلين في ذلك جهلهم أو مذهبهم...إلخ، أي أنها حرب بلا جيوش منظمة، ولكنها بتكاليف مادية تدفعها الدولة مباشرة إلى أيدي بعض من اكتسب ولاؤهم وتأثيراتهم على جمعيات المجتمع مدني أو تيارات سياسية وشعبية لإحداث إنهاك للدولة وتشتيت لقواها حتى تصبح في النهاية دولة ذات ولاء لمن استهدفها أو أن تكون دولة فاشلة، أي دولة بلا سيادة كاملة على أراضيها وهو ما يضطر الدول الإقليمية أو الدولية التدخل لفرض الشرعية واستتباب الأمن، ومن هنا تحقيق أهداف المخططات لاستنزاف الهدف بأقل تكلفة ممكنة ومن دون مواجهة عسكرية. إيران وبدعم من روسيا خاضت مفاوضات طويلة في ملفها النووي، وشتتت أنظار العالم عما تخوضه إقليميا بحروب الوكالة في لبنان والعراق وسورية واليمن، ووقعت اتفاقية تبدو للعيان بأنها مهينة، ولكنها غير ذلك فمدتها عشر سنوات، أي أنها "استراحة محارب" ولا تشكل هذه المدة شيئا في حياة الشعوب، وستبقى إيران على مفاعلاتها وتخصيبها لليورانيم، ولكن هذه الاتفاقية ستؤهل إيران بأن تكون فعالة بشكل كبير وذلك لانكباب الموارد المالية عليها بعد رفع الحظر وستعطي إيران الزخم المادي بالتدخل الكبير عبر وكلائها في دول المنطقة وربما نشهد دورا إقليميا متزايدا لإيران في حروب الوكالة، إذا لم نواجهها بأدواتها ووكلائها نفسيهما؛ وذلك من خلال دعم ثوار سورية بمجملهم ومن دون استقصاء لأحد وثوار العراق بمجملهم من دون استقصاء أحد وكذلك ثوار الأهواز المستضعفين في إيران من دون استقصاء أحد، والمطالبة باستقلال الأهواز من الهيمنة الإيرانية، أو أن ترضخ إيران للمفاوضات الإقليمية مع القوى العربية وتحجيم دورها في حروب الوكالة في البلدان العربية كما رضخت وقبلت في تحجيم دورها النووي.
إنشرها