التطلعات والتحديات المستقبلية لبلادنا

|
لا أهم ولا أولى لدى أي قيادة جديدة لأي بلد كان من التركيز على المحافظة على استقرار الكيان الذي تتولى قيادته، ثم الانطلاق بخطى واثقة وأسرع في طريق التطوير والإصلاح والإنجاز، وأن تكون تلك الخطوات مستندة إلى أرض صلبة من الوضوح والشفافية والملامح المحددة المعالم، لتأتي الثمار كما كان مستهدفا لها من قبل تطلعات تلك القيادة الحديثة. فما بالك وأنت تتحدث في هذا السياق عن وطن بحجم المملكة العربية السعودية، تتمتع بثقلها الرئيس في سلم المجتمع الدولي المعاصر، وتتسنم أيضا قيادة العالمين الإسلامي والعربي في هذا الوقت البالغ الصعوبة على مجتمعاتهما، والظروف غير المواتية على الإطلاق التي يمر بها هذان العالمان؛ يكفي القول عنها إنها قد تكون الأصعب منذ حصول أغلب دول العالمين الإسلامي والعربي على استقلالها، فالتركة الحضارية والتاريخية التي تتحملها المملكة في هذه المرحلة لا شك أنها جسيمة جدا، تضاف أعباؤها إلى أعباء الداخل السعودي، الذي يمر هو أيضا بتحولات وتطورات تترجم حالة الارتقاء الحضاري والمعرفي التي تحققت لأفراد المجتمع السعودي، الغالب عليه من فئة الشباب، أتت كل تلك التحولات نتيجة الإنفاق الكبير على التعليم والابتعاث، والاستثمار القياسي في تعزيز القدرات المعرفية لأفراد المجتمع، كان من أهم ثمارها ما شهدته البلاد -بحمد الله- من تماسك وصلابة خلال الأيام القليلة الماضية، أظهرت وأثبتت مؤشراتها الدرجة الرفيعة التي وصل إليها أغلب أفراد المجتمع السعودي على مستوى الوعي والمسؤولية، تجاه مستقبل ومصير بلادهم، وأيضا تجاه الأدوار والمسؤوليات الجسام التي تتحملها بلادهم. وما بالك أيضا وأنت تتحدث عن قائد قديم جديد لهذه البلاد، قائد بوزن الملك سلمان بن عبد العزيز، الرجل الذي عاصر الدولة منذ نشأتها وتأسيسها إلى الوقت المعاصر، الرجل الذي أصبح يتحمل أمانتها العظيمة بالكامل على كاهله، أعانه الله، بعد أن كان شريكا رئيسا في حمل أمانتها الجليلة طوال العقود الماضية. إنها ولا ذرة شك أمام هذه المسؤوليات والتحديات التاريخية التي يقف في مواجهتها المباشرة دولة بوزن المملكة العربية السعودية، ورجلٌ بوزن سلمان بن عبد العزيز، إنها مهام ومسؤوليات تاريخية تتطلب تلك الأولويات المشار إليها في مطلع المقال. ليس مبالغة القول إن العالم اليوم يمر بكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية البالغة التعقيد، والأسوأ من ذلك أن العالمين الإسلامي والعربي يغوصان في وحل أزمات لم يسبق لها مثيل، عنوانها الرئيس التشتت الكبير وعدم الاستقرار والحروب الداخلية والأمن المنزوع تماما في أهم مراكزه، وأن الجزء الأكبر من مسؤولية مواجهة تلك التحديات التاريخية؛ تتحمله المملكة العربية السعودية بحكم موقعها ووزنها العالمي والإسلامي والعربي! وماذا أبقى المملكة في موقعها المسؤول ذاك بعد توفيق الله، غير امتلاكها البصيرة الثاقبة، التي بفقدها لدى غيرها رأيته يتورط في وحل تلك الصراعات ويدفع ثمنها فادحا جدا من دماء شعبه قبل أن يكابدها بالخسائر الفادحة من الأموال والمقدرات والمكتسبات؟ في الوقت ذاته، وأمام كل تلك المسؤوليات الجسام خارجيا، لم يغب عن المملكة مقابلة احتياجاتها التنموية الداخلية، وتلبية تطلعات أفراد مجتمعها، الذي تشكل فئة الشباب ما يقارب ثلاثة أرباعه، وما يمثله التقدم الحقيقي في هذا الاتجاه الداخلي، وتوفير تلك المتطلبات التنموية داخليا من تعزيز وتقوية لوجودها، ودعم بالغ الأهمية لكي تبقى المملكة قوية ومؤهلة لمواجهة مسؤولياتها خارجيا. لقد أثبتت لنا التجارب السابقة التي مرت بها بلادنا -حفظها الله- أن قوة تأثيرك وزيادة وزنك في ميزان المجتمع الدولي تنطلق من الداخل إلى الخارج، وأن البدء بتوطيد الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمالي والتنموي في الداخل، هو سبيل الرشاد الذي سيقود إلى تحقيق الحظوة والقوة والتأثير في الخارج، وهو على العكس تماما مما تورطت فيه دول قريبة حولنا، تراها اليوم تنازع داخليا عدم الاستقرار، وقرب انفجار وتأزم سكانها عليها، ولن ينفعها في المستقبل القريب بعض ما توهمت أنه مكاسب قد تحققت لها خارج حدودها، بل لقد بدأت تنكشف وتتعرى تلك المكاسب الآنية خارجها، فأي دمار سيحل بها في القريب؟ وماذا لديها من خيارات سياسية أو اقتصادية لمواجهة تلك الارتدادات العكسية، وقد فوتتها أو بمعنى أدق ارتكبت حماقة إحراقها بيدها لا بيد غيرها؟! إنه الخيار الأجدى والأصوب الذي تقوم به بلادنا، وإنه الخيار الاستراتيجي الأكثر نفعا للناس، وإنه الخيار الأبقى والأجدر بدوام الحياة. ستمضي بلادنا بفضل من الله العلي القدير، ثم ببصيرة قيادتها وعزم مجتمعنا الفتي في الطريق نفسه، وكما أن التحديات والمسؤوليات تزداد وزنا وحجما؛ فلا بد من زيادة جهود التطوير والإصلاح داخليا، ولا بد من الإسراع بها، ولا بد من زيادة حسن استغلال الموارد المتاحة، وتوجيهها في اتجاه تلك الأهداف الاستراتيجية المثلى، وأن نرفع مجتمعين درجات الإنجاز والتنفيذ، وفي الوقت ذاته أن نرفع درجات المساءلة والشفافية ومحاربة الفساد، فالعواقب لن تكون محمودة، ولن يسمح الوقت لنا بهضم آثارها الوخيمة إن وقعت، لا قدر الله! علينا اختصار كثير من الوقت في سبيل الإنجاز، وعلينا رفع كفاءة إنفاقنا الأموال، وكل هذا يتطلب بكل تأكيد بصيرة أكثر نفاذا، وسواعد شابة على قدر عال من التأهيل والتعليم، وقبل هذا تمتلك الإيمان بهذا الوطن والقدرة على تحمل المسؤولية، وكل هذا -بحمد الله- متوافر وليس عصيا علينا إيجاده، ولا يتعدى الأمر في الوقت الراهن سوى منح هذه السواعد الفتية الفرصة الكاملة للوفاء بما هو مطلوب منها، وهي قادرة -بعون الله- على تحقيق تلك المهام والمسؤوليات. إن تحدياتنا التنموية الراهنة بدءا من مواجهة أزمة الإسكان والبطالة، مرورا بالبيروقراطية وتأخر الأداء الحكومي، وهشاشة أداء منشآت القطاع الخاص، وتجاوزها، أمر أثبتت التجارب السابقة أن الأموال والموارد ليست عقبته الكأداء، بقدر ما أنه قصور الإدارة وضرورة تحسينها، وأهمية تحديثها ورفع كفاءة أدائها؛ بتعيين الأشخاص الأكفاء ذكورا أو إناثا في مواقع المسؤولية. ولعله مما يثلج الصدر أن هذا ما يؤمن به ونفذه عمليا الملك سلمان بن عبد العزيز مع أول ساعات عهده الجديد. نسأل الله العلي القدير جميعا كل التوفيق والسداد لقائدنا الحبيب ولرجاله المخلصين من حوله، ونسأله -جلت قدرته- الأمن والأمان والتقدم والسؤدد والرخاء لبلادنا وأهلها الأوفياء. والله ولي التوفيق.
إنشرها