«مول» المجتمع

كلنا نلاحظ النمو السريع للمراكز التجارية الضخمة، بل نسمع اليوم عن تحالفات محلية وخليجية بمليارات الريالات لبناء المزيد منها في المدن الكبرى، في مشاريع تنافس بشدة كلا من المدارس والمطارات والمستشفيات وربما تتفوق عليهم! قد يُبرر استمرار بناء وافتتاح المراكز التجارية الكبرى "المولات" بوجود حاجات اقتصادية ومجتمعية ماسة، وهذا على الأرجح مبرر غير صحيح خصوصا في ظل تعدد بدائل التسوق وتركيز هذه المشاريع على المنتجات الاستهلاكية وليس الضرورية. وقد يبرر هذا النمو بفوضى التصاريح لدى الجهات التنظيمية، حيث يصرح لعدة أسواق في أماكن متقاربة دون اعتبار للضوضاء الناتجة عنها وما يرافقها من ازدحام مروري وتمركز جغرافي على حساب الأحياء والمناطق الأخرى، ناهيك عن الهدر في الموارد والثروات والتوزيع غير الملائم للخدمات. في الحقيقة، لا يخفى على أحد أن هناك عددا من المسببات لهذا التزايد المبالغ فيه في نمو مراكز التسوق؛ منها شراهة سوق التجزئة والقدرة الاستهلاكية الموجودة فيه، إضافة إلى وجود قدر كبير من المستثمرين المتمكنين ماديا الذين يشكون نقص الخيارات الاستثمارية ــــ أو على الأقل، نقص التوجيه الاستثماري. وإذا لم تستثمر جيدا هذه الظواهر الناتجة عن النمو الاقتصادي والضخ المالي الاستثنائي ستتحول إلى نتائج عكسية وربما إلى مبان خاوية في المستقبل القريب، إضافة إلى استغلال الثروات والموارد بطريقة خاطئة وخطيرة؛ فوجود المزيد من منافذ التجزئة ذات القيمة الإنتاجية المتواضعة يعني خسارة الأموال في بناء وتشغيل هذه المتاجر وخسارة أموال من يزورها كذلك. لذا أقترح أن يكون هناك حد أدنى لتوزيع وتنويع الأنشطة الموجودة داخل هذه المراكز التجارية الضخمة، على الأقل إذا لم تتمكن الجهات المسؤولة من إيقاف تكاثرها المخيف فإنها تحولها إلى عناصر تحسن من أسلوب توافر الخدمات في المدينة، وليس العكس. أي أن تتحول المولات والمراكز التجارية الكبرى إلى مشاريع متكاملة مفيدة للمجتمع المحيط بها يستفيد عن طريقها مقدم الخدمات وبائع المنتجات والمواطن في الوقت نفسه، وليس مجرد أماكن ترفيهية ضخمة تجمع الهاربين من الحر والملل لتضييع الوقت والثروة والصحة. على سبيل المثال، قد يُلزم مالك السوق باستغلال مساحات من السوق - وفق نسب معينة - لمنافذ الخدمة العامة والخدمات الطبية والأندية الرياضية والثقافية بأنواعها وربما حضانات الأطفال ومراكز خدمة المجتمع وغيرها. الفكرة أن يتحول المجمع التجاري من مجرد مركز للتسوق إلى مركز اجتماعي ثقافي تجاري يتميز بحيازة باقة واسعة من الخدمات تحت سقف واحد ويحول جزء كبير من الضوضاء إلى نقاط محددة داخل المدينة، بدلا عن الفوضى الموجودة حاليا. تقتضي قواعد التصميم الحضري التحكم في الضوضاء، وترتبط ضوابط هذا التحكم بالتوزيع الجغرافي للخدمات داخل المدينة، إضافة إلى اعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية الخاصة بها. وجود هذه المساحات المكيفة الكبرى ــــ ومجرد منحها التراخيص ــــ يستوجب الاستفادة منها واستغلالها بما يخدم من يعيش حولها. إذا كانت السيطرة على النمو العمراني السريع الذي يحصل اليوم صعبة جدا، يجب على الأقل التعايش معه بترويضه للمصلحة والاستدامة. لا أعتقد أن هناك من لم يسعد بتدشين بعض الدوائر الحكومية منافذ للخدمة داخل المراكز التجارية المغلقة. لقد أثّر ذلك في مستوى الخدمة المقدمة وخفف الضغط والازدحام المروري الذي يرافق هذه الخدمات في العادة، وساهم في تحسين صورة العديد من هذه الجهات. لا تستفيد مدننا من وجود المجمعات التجارية الكبرى بالضرائب مثلا، ولا تدور بالحركة الاقتصادية وتعود بالنفع المباشر على المنطقة وساكنيها، باستثناء ما يحصلون عليه من شعور مؤقت وخدّاع بالجِدة والعصرية وتعدد الخيارات. ولكن من يسكن أساسا في المدينة ــــ قبل وجود المجمع التجاري ــــ هو من يدفع ضريبة وجود هذه المجمعات الضخمة التي تجمع المزيد من الزوار وترفع نسبة التلوث وتزيد من المغريات الاستهلاكية. تشريع المزيد من المتطلبات الإلزامية التي تخدم المجتمع عند بناء وتدشين هذه المراكز سيخفف من وتيرة الاستغلال التي تحصل حاليا، حتى وإن كان استغلالا غير مباشر للظروف والمتغيرات الاقتصادية. قد نضعها ضمن معايير التطوير الحضري أو نسميها مسؤولية مجتمعية إلزامية. المهم أن نحول دفة النمو نحو الاتجاه الإيجابي تقليلا للهدر واستفادة من الموارد.
إنشرها