قانون الالتزام الضريبي «الفاتكا» .. نهاية السرية المصرفية في العالم

يوما بعد يوم تزداد درجة تدخل الولايات المتحدة في النظام المالي الدولي ساعية إلى ضبط هذا النظام، سواء بالتحكم في عمليات التهرب الضريبي للأمريكيين، أو التأكد من التزام المؤسسات المالية في العالم بقوانين المقاطعة، التي تفرضها على الدول الأخرى، أو غيرها، وعلى مدى سنوات طوال حاولت الولايات المتحدة الأمريكية ضبط عمليات جمع الضرائب ممن يحملون جنسيتها والمقيمين في الخارج، الذين يتعمدون تجنب دفع المستحقات الضريبية على دخولهم إلى الحكومة الفيدرالية بصورة غير قانونية، ومن أهم الطرق التي يلجأ إليها دافعو الضرائب هي فتح حسابات في دول تحافظ على السرية المصرفية لعملائها مثل سويسرا، أو اللجوء إلى فتح حسابات في مراكز لا تفرض ضرائب على الدخول، أو ما يسمى بجنة الضرائب Tax heaven، وجنة الضرائب هي المركز الذي يفرض ضرائب منخفضة للغاية على الدخول أو لا يفرض ضرائب على الإطلاق، والتي تنشأ أساسا لتلبية الطلب العالمي على تجنب دفع الضرائب للسلطات المالية في دول الأصل، وهذا بالطبع على حساب المالية العامة للدول التي يتبعونها. على الرغم من شدة العقوبة التي يتم تطبيقها على المخالفين، فما زال التهرب الضريبي ظاهرة واسعة الانتشار في الولايات المتحدة، حيث تكلف هذه العمليات الخزانة الأمريكية أموالا طائلة. على سبيل المثال تشير التقديرات إلى أنه خلال الفترة من 2001 - 2010 فقدت الحكومة الأمريكية إيرادات ضريبية تقدر بنحو 3.4 تريليون دولار، كان من المفترض أن تذهب إلى الخزانة الأمريكية، ولكنها لم تحصل نظرا لتهرب دافعي الضرائب من الالتزام بدفعها، كان من المفترض أن هذه المبالغ الضخمة تخفض عجز الميزانية ونمو حجم الدين العام الأمريكي على نحو جوهري. يتسم النظام الضريبي في الولايات المتحدة بأن الضرائب على الدخل تتبع الجنسية، ولا تتبع مكان توليد الدخل، وبناء على ذلك يلتزم كل من يحمل الجنسية الأمريكية بتوفير كل المعلومات عن دخله من مصادره المختلفة، داخل وخارج الولايات المتحدة، لإدارة الضرائب الأمريكية لأغراض فرض الضريبة. مع تزايد عجز الميزانية الأمريكية واتساع حجم الدين العام، أخذت تظهر خطورة تأثيرات عمليات التهرب الضريبي في المالية العامة الأمريكية، وقد حاولت الإدارة الأمريكية عبثا تعقب دخول الأمريكيين في الخارج، حيث تنتشر البنوك التي تلتزم بأقصى درجات السرية حول حسابات عملائها لديها، على النحو الذي يجعل عملية تعقب دخول الأمريكيين في الخارج أمرا مرهقا، والأكثر من ذلك مكلفا للغاية، على النحو الذي لو حاولت فيه الولايات المتحدة تعقب دخول مواطنيها في الخارج، فإن تكلفة ذلك سوف تكون أضعاف ما ستحصله منهم من ضرائب، المشكلة أن المراكز المالية التي تلتزم بأقصى درجات السرية المصرفية تنتشر في العالم على نحو واسع، على سبيل المثال أصدرت مؤسسة Tax Justice Network تقريرا حول الأرقام القياسية للسرية المالية في العالم شمل 82 مركزا ماليا، وقد أتت على رأس هذه المراكز، سويسرا، ولوكسمبورج، وهونج كونج، وجزر كايمان، وسنغافورة، باعتبارها أكثر خمسة مراكز في العالم سرية في نظمها المصرفية. في عام 2008 صدرت دراسة لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بعنوان " ”INTERNATIONAL TAXATION: Large U.S. Corporations and Federal Contractors with Subsidiaries in Jurisdictions Listed as Tax Havens or Financial Privacy Jurisdictions”، وقد توصلت الدراسة إلى أنه من بين أكبر 100 شركة أمريكية تحقق إيرادات في 2007، كان لـ 83 منها شركات تابعة في المراكز المصنفة على أنها جنة ضرائب العالم، وفي دراسة لمؤسسة Tax Justice Network في عام 2012 بعنوان "The Price of Offshore"، قدرت أن أغنياء العالم يحتفظون بأصول تقدر بنحو 11.5 تريليون دولار في مراكز الأوفشور، ويقدر الدخل السنوي عليها بنحو 860 مليار دولار سنويا، بينما تقدر الضرائب التي لا تدفع على هذه الدخول بنحو 255 مليار دولار سنويا. في عام 2010، وفي إطار محاولة رفع مستويات التوظيف للعمالة الأمريكية، صدر قانون Hiring Incentives to Restore Act Employment ، والذي قدم بعض أشكال الحوافز والإعفاءات الضريبية لتشجيع قطاع الأعمال على توفير فرص عمل للعاطلين من الأمريكيين، وقد كان قانون الالتزام الضريبي على الحسابات الأجنبية التي يملكها الأمريكيون المقيمون في الخارج أحد أجزاء هذا القانون والمعروف باسم الفاتكا (Foreign Account Tax Compliance Act (FATCA، حيث يلزم القانون المؤسسات المالية في الخارج بضرورة الكشف عن الحسابات، التي يملكها من يحملون الجنسية الأمريكية من أفراد أو شركات أو غيرها، سواء أكان هؤلاء مقيمون داخل الولايات المتحدة أو خارجها، لإدارة الضرائب الأمريكية إذا كانت هذه الحسابات تتجاوز 50 ألف دولار، بهذا الشكل يجبر القانون دول العالم على تغيير نظمها المصرفية والضريبية من طرف واحد. بمقتضى القانون تصبح معاقل سرية النظم المصرفية في العالم مثل سويسرا ولوكسمبورج وهونج كونج في أزمة حقيقية، حيث أصبح يتوجب الآن على المؤسسات المالية الأجنبية، سواء أكانت بنوكا، أو شركات تأمين، أو صناديق للاستثمار، أو غيرها أن تسجل لدى إدارة الضرائب الأمريكية، وتلتزم بتوفير البيانات الشخصية لكل العملاء الأمريكيين لديها، ووفقا لنظام الفاتكا، يتم تسجيل المؤسسات المالية وفقا لنموذجين، الأول تقوم بمقتضاه المؤسسات المالية في الدولة بتوفير المعلومات عن حسابات الأمريكيين للإدارة الضريبية في الدولة، التي تتبعها، التي تتولى بدورها نقل هذه المعلومات إلى الولايات المتحدة، وهناك نسخة معدلة من هذا النموذج والتي تسمح للإدارة الأمريكية بنقل المعلومات حول دافعي الضرائب في البنوك الأمريكية، الذين يحملون جنسية الدولة، الذين يخضعون لنظامها الضريبي. أما بالنسبة للنموذج الثاني، فإن المؤسسات المالية في الدولة الأجنبية تتولى بشكل عام مهمة نقل المعلومات بصورة مباشرة إلى إدارة الضريبة الأمريكية. ولكن هل تملك المؤسسات المالية خيارا حول الالتزام من عدمه؟ الإجابة هي للأسف الشديد لا، لأن المؤسسات المالية التي سترفض مسايرة القانون ستحرم من حرية الوصول إلى السوق العالمي للدولار الأمريكي، والذي يشكل 87 في المائة من المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي في العالم، وبمعنى آخر لن تتمكن هذه المؤسسات المالية من تسوية أية معاملات مالية تتم بالدولار الأمريكي حول العالم، وهو ما يعني ببساطة شديدة شلل هذه المؤسسات على النطاق الدولي، فضلا عن ذلك فإن أية تحويلات مالية تتم لصالح هذه المؤسسات ستتعرض لخصم 30 في المائة من قيمتها داخل الولايات المتحدة. السرية المصرفية بهذا الشكل في العالم أصبحت في خطر، حيث ستنهي الفاتكا قرونا من السرية المصرفية في كثير من دول العالم، خصوصا سويسرا، التي ستفقد هي والنظم المصرفية الأخرى في العالم أهم مزاياها النسبية المتمثلة في السرية المطلقة أو شبه المطلقة لمصارفها. أعتقد على المدى الطويل، إذا كانت الفاتكا ستمكن الولايات المتحدة من فتح حسابات مواطنيها في مصارف العالم، فإن الدول الأخرى سيصبح من حقها بالتبعية أن تتفاوض على كشف الحسابات المصرفية للعملاء من مواطنيها، يعتمد ذلك على قوتها التفاوضية في مواجهة مراكز السرية المصرفية، وربما ينتهي الأمر بشبكة مصرفية مفتوحة الأطراف من الناحية الرسمية للمؤسسات الضريبية في العالم.
إنشرها