الوساطة القضائية

|
تعد الوساطة القضائية إحدى الوسائل البديلة الناجحة لتسوية المنازعات خارج أروقة المحاكم. وتعرف الوساطة القضائية بأنها: محاولة الوصول إلى اتفاق بين المتخاصمين من خلال إدخال طرف ثالث يقوم بتقريب وجهات النظر للوصول إلى اتفاق ملزم يصنعه المتخاصمان. فالوسيط القضائي لا يبحث عن الحق في القضية أو عن أدلة الخصوم، بل يقتصر دوره على تقريب وجهات النظر من خلال إدارة الحوار بين المتخاصمين، والتأكد من أن كل طرف قد فهم الطرف الآخر وفهم الأحكام الشرعية والنظامية المتعلقة بالقضية. كما يقوم الوسيط بتوجيه الحوار والنقاش بين الطرفين حال تشعبه إلى ما يخدم القضية. وفي النهاية يدفع الأطراف إلى صنع القرار بأنفسهم. ويلتزم الوسيط والأطراف بالتزامات عدة بناء على نظام الوساطة الصادر في الدولة. ومن أهم هذه الالتزامات: التزام الوسيط والأطراف بالحفاظ على سرية الحوار الدائر داخل غرفة الوساطة، فالنقاش الدائر في غرفة الوساطة عادة ما يتسم بالصراحة والشفافية. وتتمتع الوساطة القضائية بمميزات عدة جعلتها البديل الأسهل والأمثل لتسوية المنازعات، وهذه المميزات هي: 1. السرية: فالسرية تساعد أطراف القضية على الوصول إلى حلول سريعة ومرضية لهم، وذلك من خلال إقرار أحد الأطراف على نفسه أو الكشف عن أوراق أو مستندات قد لا يكشفها الشخص إذا علم أنها ستعرض أمام القاضي. وهذه السرية تمنع القاضي من استدعاء الوسيط القضائي للشهادة حول ما جرى في جلسة الوساطة. 2. وجود طرف ثالث محايد (الوسيط القضائي): وجود طرف ثالث محايد يساعد أطراف القضية على إيجاد الحلول التي ترضي جميع الأطراف. فالحوار عادة ما يتشعب ويتطرق لقضايا وخلافات تاريخية قد لا تخدم المتخاصمين في القضية المتنازع فيها. كذلك قد يرى الطرف الثالث المحايد ما لا يراه المتخاصمان فيساعدهما من خلال اقتراح بعض الحلول. ووجود الطرف الثالث المحايد هو الفرق الوحيد بين الوساطة القضائية والمفاوضات. 3. عدم إلزامية قرار الوسيط القضائي: إلزامية القرار الذي يصدره الطرف الثالث في الخصومة من العوامل التي تزيد التوتر بين أطراف القضية، التي تعرقل إيجاد الحلول المرضية للطرفين. فالمتخاصمان قد لا يرتضيان التوجه إلى التحكيم أو القضاء لعلمهما أن قرار التحكيم أو القضاء ملزم لهما. لذا أتت الوساطة القضائية لإيجاد بديل يستطيع الطرفان بواسطته التحكم في القرار النهائي. وعدم صلاحية الوسيط لإلزام الأطراف في النتيجة النهائية هو الفارق الأساس بينه وبين التحكيم، حيث إن قرار المحكم إلزامي وليس اختياريا. 4. السرعة: تتميز الوساطة القضائية بالسرعة في إنهاء الخلاف الدائر بين المتخاصمين. فالعادة أن القضية يتم حلها في جلسة واحدة فقط. ومتوسط طول الجلسات هو أربع ساعات متواصلة. 5. إلزامية الاتفاق الصادر من الأطراف: تنتهي الوساطة القضائية عادة بالوصول إلى نتيجة يتفق عليها أطراف القضية. وهذه النتيجة تكون ملزمة للطرفين كإلزام العقود. ويحق لأحدهما اللجوء إلى القضاء لإلزام الآخر بأداء ما التزمه في هذا الاتفاق. ويعود تاريخ الوساطة القضائية إلى العصور القديمة بداية من عهد الإغريق، حيث كانت الوساطة القضائية هي الأصل في حل النزاعات. ثم انتقلت بعد ذلك إلى الحضارة الرومانية. ثم انتشرت بين الحضارات. وتعتبر بعض الحضارات "الوسيط" شخصية مقدسة تستحق الاحترام، لذا عادة ما يكون الوسيط من الحكماء أو من زعماء القبائل. وفي تاريخ العرب، تعد الوساطة من الحلول التي يُلجأ إليها في الخلافات التي تكون بين القبائل. واستمرت الوساطة منذ تلك العصور وحتى العصور الحديثة، حيث تعد الوساطة القضائية من الحلول البديلة الفاعلة لحل الخلافات خارج نطاق القضاء. من ذلك أنشأت الولايات المتحدة في عام 1947 جمعية تسمىFederal Mediation and Conciliation Service التي أسستها President Harry S. Truman في واشنطن وعين Cyrus S. Ching رئيسا لها. وكان الغرض من هذه الجمعية تقديم الوساطة للوكالات الصناعية والمجتمع والحكومة. وتعد من أهم مهامها التوسط في النزاعات العمالية في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين والوساطة القضائية تلعب دورا مهما خارج أروقة المحاكم في فض المنازعات، حيث اتسعت دائرة الوساطة القضائية لتشمل جميع أنواع الخلافات. ومن أشهر أنواع الخلافات التي تقوم الوساطة القضائية بحلها على سبيل المثال: الخلافات العائلية كالطلاق والحضانة وخلافات الشركات العائلية، الخلافات في أماكن العمل: كالتمييز والظلم، الخلافات التجارية كالشركات وعقود المقاولات وغيرها. وقد جاء الإسلام بقواعد وأحكام تفصيلية للإصلاح بين الناس، فقد أمر الإسلام بالإصلاح بين الناس فقال تعالى:(إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون). وجعل الإسلام للإصلاح بين الناس أجرا عظيما، قال الله تعالى:(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاحٍ بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً). وقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين). والحكمة التي من أجلها حث الإسلام على الصلح ما ذكره أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ــ رضي الله عنه ــ حيث قال: (ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن). لهذا المقصد، سن الإسلام قواعد وأحكام الصلح، فقد فصل الإسلام في حقيقة الصلح هل هو عقد مستقل بذاته له شروطه وأحكامه أم أنه عقد متفرع عن غيره، حيث تسري عليه أحكام أقرب العقود إليه شبهاً بحسب مضمونه. كذلك فصل الإسلام في أقسام الصلح وأنواعه وشروطه، وتحدث عن مسائل دقيقة كأحقية القاضي في رد الخصوم إن طمع منهم ذلك وهل له ردهم أكثر من مرة. كل هذا في سبيل تيسير الوسائل والطرق لإنهاء الخصومات. في المقالات القادمة ــ بإذن الله ــ سأتطرق إلى مبادئ الوساطة القضائية العلمية والمهارية بشيء من التفصيل، وما يتعلق بها من صور ومسائل.
إنشرها