البتكوين .. وغموض البداية

|
لفهم واقع معين لا بد من متابعة التسلسل التاريخي للأحداث التي كونته، ومن دون ذلك تظل الشروحات ناقصة وغير واقعية. وحين يتعلق الأمر بالمال، لا بد من أن تكون الشفافية سيدة الموقف، ولا بد للأحداث والوقائع أن تكون قابلة للفهم المنطقي السلس. وحين يكون الغموض مصاحبا لمراحل تكوين الواقع، لا بد أن يكون الحذر في التعامل سيد الموقف. وتثبت بالوقائع التاريخية أن الغموض وعدم الشفافية المصاحبة لمراحل تكوين الواقع المالي يؤدي إلى نهايات كارثية، ذلك لأن مستقبل أي شيء نتاج طبيعي لحاضره وماضيه، ومحاولة إخفاء تسلسل وقائع الأحداث والشخصيات التي كونت هذا الواقع لا يبعث على الطمأنينة بأي حال من الأحوال، بل على العكس، يدعو للريبة والشك والحذر. وحين يصبح الواقع المالي أمرا غامضا متضخما وغير قابل للكبح، وحين يعجز المشرّعون والمنظّرون عن تقديم الأجوبة والتشريعات، وحين يصرّح المتعاملون والمضاربون على سلعة جهارا نهارا بأنهم ضد أي رقابة وضد أي تشريع منظم، وحين يكون صمت الجهات المالية وعجزها عن السيطرة والتنظيم واقعا مشاهدا، فإن المحصلة بطبيعة الحال كارثية ولا يحمد عقباها. وحين يتأمل المرء في البتكوين، يجد أن الغموض وعلامات الاستفهام سيدة الموقف. ''ساتوشي ناكموتو'' هو اسم ''الشخص'' أو ''مجموعة الأشخاص'' أو ''المنظمة'' التي بدأت البتكوين. ورغم أن سعر البتكوين تجاوز سعر الذهب، إلا أن طبيعة هذا ''الشيء'' الذي أطلق على نفسه هذا الاسم الياباني ما زالت غامضة، لا أحد يعلم مكانه، أو ''طبيعته''، أو أجندته، أو هل ما زال على قيد الحياة. وعلى الرغم من أن ''ساتوشي ناكموتو'' بدأ ما يعرف بالبتكوين، إلا أن فكرة العملة الإلكترونية المتحررة من تشريعات وأنظمة البنوك المركزية بدأت قبل ذلك، إلا أن ''ساتوشي ناكموتو'' طبقها على أرض الواقع. وباستخدام علم الخوارزميات، ابتكر ساتوشي بروتوكولا أمنيا تشفيريا معقدا ينتج 21 مليون بتكوين، وتزداد صعوبة إنتاج البتكوين مع كل بتكوين جديد يتم إنتاجه. أي أن عدد البتكوين الذي يمكن تداوله محدود وفق التصميم الذي وضعه ساتوشي للبروتوكول. وفجأة ودون مقدمات اختفى ساتوشي ولم يعد له أي ذكر، ولم يدع أحد قط أنه هو ''إلى الآن''. وأول عملية تجارية يتم بها قبول البتكوين كعملة مقابل سلعة، وجبة ''بيتزا'' في عام 2010، وتطورت الأمور حتى أصبح هناك من يقبل البتكوين مقابل عقارات، وأصبح هناك جامعات تقبل البتكوين كرسوم دراسية. كل هذا يحدث والجهات المشرّعة في العالم ''تتفرج'' وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد. وهذا البتكوين الذي يعتبره محبوه عملة دولية قادمة، لا يستند إلى أي قيمة اقتصادية حقيقية. كل ما استند إليه هو حب ملاكه له، وسهولة استخدامه كوسيلة للتبادل المالي للعمليات الإجرامية. بعض التقارير تشير إلى أن أكثر من 60 في المائة من تعاملات البتكوين تتم للقمار وتجارة المخدرات. لا بد من تدخل الجهات المالية في العالم لإنهاء واقع هذا البتكوين غير المنطقي وغير الصحي اقتصاديا والشاذ كذلك. كما ينبغي منع استخدام هذا البتكوين وغيره مما يسمى العملات الإلكترونية ''المتحررة''، التي يسعى من يقف خلفها للتحرر من التشريعات والأنظمة والقوانين. لا بد من توعية المستثمرين بطبيعة حقيقة هذا البتكوين الذي يحيط الغموض بمعظم مراحل تطوره، ولا بد أن يعي الجميع أن سرعة اختفائه وتلاشي سعره قد تكون أسرع مما شهدناه في مرحلة صعوده إلى أن تخطى سعر أونصة الذهب. لا بد من أن يكون المنطق والشفافية سيد الموقف حين تقيم السلع، وإلا فالكوارث المالية بالمرصاد.
إنشرها