كتبت على "تويتر": مَن لديه قصة يعتقد أنها مميزة عن ارتباطه عشقاً لأول مرة بناديه الذي يشجعه، فليكتبها لي.
أغلب ما وصلني في اللحظة نفسها كان يدور حول الحب من أول نظرة بين مشجع ولاعب إلا قصتين سأكتبهما لاحقاً.
.. صباح اليوم التالي جاءني اتصاله الهاتفي، وقال بحماسة: تبحث عن قصص الآخرين، لتكتبها، يا رجل، الأقربون أولى بالمعروف، أنا صديقك وقصتي تستحق أن تُروى.
وبدأ في سرد حكايته: أبصرت النور في بيت تدب المشكلات فيه من كل زاوية، وتعصف به رياح الخلافات، أمي وأبي لا يصمتان حتى يعودا للخصام مرة أخرى، وحتى أصبح الفراق أمراً حتمياً، لا مفر منه، وهو ما حدث وأنا ابن الخامسة، أمي تزوجت وغادرت مع الزوج الجديد إلى شرق البلاد، أبي تزوج أيضاً وانتقل عمله إلى حائل فغادر صحبة العروس الجديدة، وحتى في رعايتي والتحاقي بأحدهما لم يتفقا، فتدخلت جدتي لأمي لفض النزاع وأخذتني في كنفها، بقيت في الرياض، التقي أبي وأمي في المناسبات العائلية أحياناً، وفي زيارات مختلفة أحايين أخرى.
.. يواصل صديقي الذي لم أره يوماً، ويكتفي بالاتصال بي منذ خمسة أعوام للتعليق على الأحداث الرياضية، ولا أعرف عنه إلا أن اسمه سلمان، وأنه مسؤول رفيع في أحد البنوك السعودية، ولم أكتشف يوماً من نقاشاته ماذا يشجع ولم أهتم بمعرفة ذلك، يواصل حديثه: في بيت جدتي، كنت سفير الحزن في الأرض، وجه تكسوه البراءة واليتم المُقنع، لا حضن ولا دفء، رغم محاولات جدتي نثر بذور السعادة في دربي، لكنها لا تثمر، في جسد يكسوه الجفاف وسقياه حنان والدين غائبين، عواطفي تجمّدت، ماتت.
ويتابع: زاد الطين بلة التحاقي بالمدرسة، أغادر مع السائق، وأعود معه، مشهد أقراني يركضون للارتماء في أحضان والديهم ينتزع من عيني كرات الماء المالح، أخنقها بالصمت، حتى بت أتعاطى المشهد على غرار "وما لجرح بميت إيلام". ويستمر في نثر ألمه حتى قلت ليته يصمت: في المنزل كان أخوالي ثلاثة، لا يجتمعون في البيت سواسية إلا أمام التلفزيون في مباريات كرة القدم، أجلس بينهم لا أفهم شيئاً، وشيئاً فشيئاً بدأت أستجيب لردّات فعلهم، أصبحت أعرف لماذا يقفزون فرحاً، ولماذا تأتي جدتي لتلم "كاسات" الشاي من أمامهم في لحظات يهبط الصمت على مجلسهم، في خطوة استباقية، حتى لا تتفتت على الجدار المصلوب عليه، التلفزيون، كما حدث أكثر من مرة، والخسائر تتلخص دائماً في "كاسات" شاي، وقد ترتفع لتصل إلى شاشة تلفزيون، أو وسم ذكرى يبقى على الجدار المقابل.
يتابع سلمان، وأنا منصت أدون عناوين لما يقول، يتابع: بعد نهاية المباريات، إن فاز الفريق المحبوب لأشقاء والدتي، فالليلة في منزلنا لا يمكن وصفها، طلباتي تتحول إلى أوامر، ورغباتي لا تكسر، والمزاج العام للأسرة مزاج عالٍ بامتياز، ويواصل: بدأت هنا تتوثق علاقتي بهذا الأصفر الفاتن، شعرت بأنه الوحيد حولي في هذه الدنيا الذي ينثر السعادة في مساري، وأصبحت كأخوالي، أحزن لحزنه، وأفرح لفرحه. يصمت ثم يسأل فجأة: أتصدق؟ كنت أظن النصر يفوز من أجلي آنئذ، وأنه يفعل ذلك من أجل سعادتي، لأنني لم أعرف السعادة إلا على دروبه المعشبة آنذاك، إن فاز جُبرت كسور قلبي، والتأمت مساحات فرحي المتباعدة، وإن خسر، انطويت على نفسي أقلب أحزاني ولا أجد فيها رغم مرارتها ما يساوي حزني على النصر. ويختم: كبرت وكبر الأصفر معي، ما زلت أشعر أني طفله الموسوم بالحزن، طفل الجفاف الذي ابتلت شفتاه على دروب النصر.
في قصص المشجعين، ما يبرّر تعلقهم بأنديتهم، وفي حبهم للرياضة عامة ما يمكن توظيفه لخدمة المجتمع الكبير، وفي المقالات المقبلة سأكتب عن عاشقين آخرين للأزرق ولكبير جدة، وربما عشاقاً آخرين.
