لماذا لم تهتم السويد بالموهوبين من مواطنيها؟

قد يرى البعض أن السويد تذهب بعيدا في نظرتها وممارستها لمفهوم المساواة بين الناس. فالناس ليسوا فقط سواسية أمام القانون رغم اختلاف أديانهم ومذاهبهم ومشاربهم وجنسهم ووظيفتهم وإثنيتهم ومكانتهم ومناصبهم الاجتماعية أو السياسية، إلا أنهم أيضا متساوون في الخدمات العامة مثل التربية والتعليم، حتى وإن أظهر بعضهم مقدرة طبيعية فائقة للاستيعاب والخلق والإبداع أكثر من غيره. نظرة المساواة هذه كانت سببا مباشرا لجعل كل المواطنين يلقون الرعاية الصحية ذاتها والتعليم ذاته بكافة مراحله باختلاف مدخولاتهم ومناصبهم وكذلك على اختلاف درجات ذكائهم. لا ينكر أن الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ يمنح بعض الناس ذكاء خارقا، الموهبة التي تحاول الكثير من دول العالم ولا سيما في جنوب شرق آسيا استثمارها لصالح تطور وازدهار بلدانها. ولهذا ترى أن دولا مثل سنغافورة والصين تستثمر الأموال الطائلة والجهود المضنية لتأهيل الموهوبين من الطلبة في مدارس خاصة للتنشئة والتربية الخاصة تُختزل فيها مراحل دراسية بسرعة مذهلة لتخريج جيل كفء لقيادة المجتمع. مجرد تفكير مثل هذا كان سيُجابه برفض شديد من قبل السلطات في السويد إلى وقت قريب. الناس هنا ترى أن العدالة الإنسانية والاجتماعية تقتضي أن يعامل الكل بصورة متساوية. إن كان الغني والملك والأمير والوزير يتلقون التعليم ذاته فلا يحق لصاحب عقل ثاقب وموهوب بالفطرة أن يتلقى تعليما خاصا مختلفا. بيد أن هذا التوجه في طريقه للتغير. وكما هو شأن كل شيء سويدي، يحاول القائمون على التغير منحه طعما وطنيا خاصا. هناك ظاهرة لافتة للنظر في هذا البلد ولا سيما عندما يحاول القائمون عليه سن قوانين جديدة أو تدشين مسارات جديدة لقيادة المجتمع. الحكومة أو البرلمان يشكلان لجنة عليا. اللجنة هذه استشارية ولهذا ترجع إلى المجتمع قبل تقديم أي مقترحات. والرجوع إلى المجتمع في مثل هذه المسائل معناه الاعتماد بشكل كبير على رأي الجامعات وأساتذتها ومراكز أبحاثها. ومنذ أن حطت بي الرحال هنا قبل أكثر من عقد من الزمان لم تتخذ الحكومة أو البرلمان قرارا مهما إلا وكانت وراءه دراسة أكاديمية جامعية رصينة. وفي الشهر الماضي كنت في مؤتمر دُعيت إليه شخصيات جامعية للبحث في أفضل الطرق للاهتمام بالموهوبين من الطلبة والمواطنين وتقديم اقتراحات للمضي في هذا المسار وبقوة مع الحفاظ على الأخلاق والتقاليد التي رسخها مفهوم المساواة في المجتمع السويدي. وكان الأساتذة الجامعيون هم المتحدثون والمسؤولون هم المستمعون المنكبون على أوراقهم لكتابة المقترحات. زملاء لي تحدثوا عن تجاربهم الخاصة وأبحاثهم في هذا المضمار وكيف أن السويد لا تعير أي أهمية لهم، بينما تجاربهم تأخذ بها دول في جنوب شرق آسيا وأمريكا الشمالية. ولكي يكون للمسار الجديد لرعاية الموهوبين في التعليم الذي ستتبناه السويد في المستقبل القريب طعم وطني، جرى البحث عن كيفية رعاية الموهوبين في كل مناحي الحياة ومن ضمنهم العاملون في حقول مثل الزراعة والصناعة والخدمات البلدية والصحية وغيرها وعدم حصره في مستوى التربية والتعليم. وكان الرأي السائد أن رعاية الموهبة الوطنية هي الطريق الأنسب للعالمية والطريقة الناجعة، لا بل المثلى لاختراق الأسواق والحفاظ على مستوى التصدير وتدعيمه لأن السويد ستفقد مكانتها كدولة رخاء ومساواة اجتماعية إن فقدت مقدرتها التنافسية التصديرية مع دول عظمى مثل ألمانيا وأمريكا والصين وغيرها. وما لي أنا ـــ صاحب هذا العمود ــــ ومؤتمر للبحث في رعاية الموهوبين في السويد، كوني إنسانا عاديا لا أملك موهبة فذة أو ذكاء خارقا. الدعوة وجهت لي فقط لأنني أصدرت مجلة علمية أكاديمية قبل نحو سنتين، كان من المفروض أن تبقى مجلة محلية في حدود السويد لكنها اخترقت المحلية، حيث تبنتها دار نشر بريطانية كبيرة وصار للمطبوع مكانة عالمية وريعه حتى الآن غطى تقريبا كل التكاليف وهو في طريقه لتحقيق بعض الأرباح. بالنسبة لهم هذا يعد موهبة في ريادة الأعمال، وعلى الجامعات أن تعتمد على نفسها وتقلل اعتمادها على الخزانة العامة.
إنشرها