مشاهد رمضانية .. ليتها تعود

|
هي مشاهد عشق واشتياق تومض بضوء خافت في الذاكرة لذكريات دفينة تبدأ في النهوض من مخابئها حين يتراءى لها هلال رمضان وتقترب من نفحاته الروحانية، هي ليست مجرد حروف ضجت بها صناديق البوح فحطمت أقفالها وانسكبت فوق سطور هذا المقال، بل هي رسائل حنين لأيام أظل أحلم دوما بعودتها حتى يشعر أطفالنا بروعة لحظاتها الإنسانية المترفة بالدفء الجميل! المشهد الأول.. عندما يتم إعلان رؤية هلال شهر رمضان، يعبق شذى زهور السرور والاستبشار ليغمرا قلوب الأسرة جميعا فتبدأ الأم في تغيير ملابس أطفالها الصغار والتبخر ''بمعمول غال'' اشترته لأجل رمضان، الأبناء الكبار يباركون لوالديهم بقدوم رمضان ثم تبدأ العائلة جميعها في الاستعداد للذهاب للبيت الكبير ''بيت الجد'' وهناك يجتمع الأعمام والعمات وأبناؤهم وبناتهم الكبار منهم والصغار يتبادلون التهاني والتبريكات ودفق مشاعرهم يغمر أنحاء البيت الكبير، بعد ذلك تذهب العائلة للبيت الكبير الآخر من ناحية الأم، حيث الخالات والأخوال وأبناؤهم، وعبق الحنان والمشاعر الحقيقية ، ولذة التمر ''السكري'' والقهوة التي لا تحلو إلا من يد الجدة الحبيبة، أما اليوم فجدران أسمنتية باردة تلتصق بها مقاعد وثيرة نسترخي فوقها وعند إعلان قدوم شهر رمضان نمسك بأجهزتنا الذكية التي أحرقت مشاعرنا لنرسل رسائل باردة مكررة منسوخة لا روح فيها ولا إحساس، ونظل ننظر إلى شاشة التلفزيون بشغف نبحث بين مشاهد المسلسلات عن حكاية ترحل بنا نحو ذلك الزمن الجميل الذي نحلم بجماله.. مجرد سؤال ما الذي يمنعنا من التواصل الحقيقي المباشر بين بعضنا بعضا؟ ولماذا كلما أصبح العالم قرية إلكترونية صغيرة زاد تباعدنا وإحساسنا بغربة أرواحنا وافتقادنا المشاعر المتدفقة بصدق؟ المشهد الثاني.. قبل أذان المغرب بوقت قليل صبية صغار يطرقون أبواب الجيران وهم يحملون صواني بين أيديهم فيها شيء مما صنعته أمهاتهم، نسميها ''الطعمة''، حيث تتفنن بعض الجارات بزهو وبراعة لإرسال أفضل ما طبخته لجيرانها ثم تستمع فيما بعد لكلمات المديح منهن على ما أرسلته، وكثيرا ما يتدافع الأطفال أثناء توصيل الطعمة بشقاوة لذيذة، وكم سقطت من بين أيدينا ''طعمة'' وامتزجت بالتراب، وكم أذن المغرب ونحن لم نوصل ''الطعمة'' لأننا انشغلنا باللعب بالشارع! كانت السمبوسة والمهلبية والتشريبة واللقيمات هي أبرز عناصر ''الطعمة'' وربما لا تصنع صاحبة المنزل إلا شوربة فقط لأي سبب كان ولكن قبل المغرب سيكون على سفرتها أنواع عدة من الأكل ''طعمة'' من جاراتها، لقد افتقدنا هذه الظاهرة الاجتماعية الجميلة التي تترك أثرا نفسيا رائعا في نفوس الجيران وترسخ مبادئ الجيرة، واليوم تزدحم السفرة بما لذ وطاب من الأكلات وبما تم تخزينه من ''المفرزنات'' ورغم ذلك فإن ''الطعمة'' لو تهدى إليك من جارك لكان لها طعم آخر ووقع عميق جميل في نفسك..مجرد سؤال: ما الذي يمنعنا من إحياء هذه الشعيرة الإسلامية المؤثرة في القلوب وقد أوصانا حبيبنا عليه السلام بأن نكثر من ماء المرق إذا صنعناه لنطعم جيراننا؟ المشهد الثالث.. تسابق الأطفال في الاحتفال برمضان على طريقتهم الخاصة، من خلال المفرقعات البسيطة ''الشراخيات'' ولذلك تبدأ روح التجارة عند البعض منهم فيتخذ من كرتون مقلوب مكانا ينطلق منه لتجارته الصغيرة، ويبدأ في التلاعب بالأسعار بمفاهيم طفولية لا تعرف سوى البراءة، في ليالي رمضان وبعد التراويح تمتلئ شوارع الحارات بأنفاس الطفولة الجميلة، واللعب بالدراجات وكرة القدم، وتبادل الحكايات والأخبار، اليوم شوارعنا تكاد تخلو من ذلك، فالأطفال مجبرون على متابعة غثاء سيل الإعلام الهابط وموسم تنافس الأعمال الفنية والمسلسلات، أو التجمد أمام شاشات الآيباد والبلايستيشن والكمبيوتر.. مجرد سؤال: ما الذي يمنعنا من السماح لأطفالنا باللعب في شوارع الحارة ومنحهم هذا الحق الطفولي الجميل الذي يسهم في إنشاء علاقات اجتماعية بين أهل الحي الواحد ويشعرهم بالتآلف والمحبة والرفقة الرائعة، ولو لمدة ساعة واحدة ''يفرغ '' فيها الأب نفسه ويكون أطفاله أمامه وهم يلعبون.. يتأملهم.. يحتويهم بقلبه.. يرحل معهم إلى تلك الذكريات الدافئة! اللهم أعد علينا رمضان والأمة الإسلامية ترفل في أثواب العزة والكرامة والنماء!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها