من حاضر مؤلم إلى مستقبل مشرق

|
ابتهجت الشعوب العربية بزوال بعض الأنظمة الدكتاتورية، واستبشرت خيراً بأن تُسهم الديمقراطية في منحها الحرية للتعبير عن الرأي التي حرمت منها ردحاً من الزمن، ومساعدتها في محاربة الفساد الذي استشرى في مفاصل الدول. ولكن لم تنعم شعوب ''الربيع العربي'' بتذوق طعم الديمقراطية حتى دخلت في نفق من الفوضى والتجاذبات التي أفقدتها البوصلة الضرورية للوصول إلى طريق الاستقرار والديمقراطية، خاصة في مصر التي من المفترض أن تكون من أقرب الدول لتطبيق الديمقراطية وإرساء مؤسساتها (رغم وجود مرسي!)، وهذا يدل على أن المخاض عسير وسيستغرق وقتاً طويلاً! فالديمقراطية لا تستورد، ولا تُولد بسهولة! هذه الفوضى في بعض الدول العربية لم تأت هكذا بشكل عفوي، بل هي نتيجة عدم استيعاب المعنى الحقيقي للديمقراطية وعدم تبني قيم التسامح والانفتاح والتعددية والتنوع، إضافة إلى عدم قدرة رجال السياسة في بلدان ''الربيع العربي'' على ممارسة السياسة باستقلالية، أي دون تدخل أو تأثير أطراف داخلية أو خارجية ذات نفوذ سياسي أو مالي! هذا الوضع يجعل رجل السياسة رهيناً للجهات الداعمة لحزبه أو أنشطته السياسية، ومن ثم يسهل اختراق المؤسسات السياسية أو التأثير في توجهاتها السياسية، ومن ثم فقدانها ثقة الشارع. طبعاً المشكلة في مصر معقدة، ومما زاد وعورة الطريق نحو الديمقراطية أن المصريين استعجلوا في إجراء الانتخابات الرئاسية بعد سقوط نظام مبارك، إذ كان من المفترض تشكيل حكومة انتقالية أو مجلس حكم انتقالي يشتمل على جميع الأطراف السياسية دون استثناء، كما استعجل ''الإخوان'' على قطف ثمار الثورة من خلال دخول انتخابات الرئاسة قبل أن يتكوّن لديهم رصيد من الخبرة في إدارة شؤون البلاد، وقبل أن يكسبوا الثقة اللازمة على المستوى الدولي، إضافة إلى عدم بزوغ قيادات جديدة تمنح المصريين خيارات جديدة، فلم يكن أمام الناخب المصري إلا ''الإخوان'' من جهة، وبقايا نظام مبارك من جهة أخرى. ومما أثار على حكومة ''الإخوان'' خصومها وقلل من شعبيتها دخولها انتخابات الرئاسة دون الخبرة الكافية، ودون استيعاب أهمية احتواء الآخرين، ودون وجود برنامج اقتصادي مدروس ومتفق عليه لإنقاذ البلاد، ومما زاد الطين بلة اتكاء الدكتور محمد مرسي على الجيش وتقليله من شأن المعارضة وعدم قدرته على احتوائها، وكذلك عدم الفصل ـ في بعض الأحيان ـ بين مصلحة البلاد العليا والمصلحة الحزبية الضيقة عند تعيين المسؤولين في الحكومة، وأهم من ذلك لم تتمكن حكومة مرسي من إحداث تغيير اقتصادي إيجابي! ولكن مصر لن تنتقل إلى بر الأمان ـ بسهولة ـ من خلال نقل السلطة من قبل العسكر، وملاحقة قيادات الإخوان، وتقييد الحريات، ولكن من خلال تهدئة الوضع وتشكيل حكومة انتقالية تكون مهمتها الأساسية بناء مؤسسات الدولة على أساس صحيح من خلال الاستعانة بخبراء مخلصين، ووضع الأسس التي تكفل مشاركة الجميع دون استثناء بمن فيهم الإخوان وغيرهم. ولكن سؤال ''المليون دولار'' (كما يُقال) هو: كيف يمكن إقناع الفرقاء أو الأطراف المتنافرة على المشاركة في حكومة وفاق أو حتى حثهم على الجلوس للحوار؟! وسؤال آخر يطرح نفسه بإلحاح في أذهان بعض القراء: لماذا لم تتوافر سبل النجاح لقيادة ''الإسلاميين''، خاصة الإخوان في مصر؟ وحزب النهضة في تونس؟ وحماس في فلسطين؟ وقبلهم الإسلاميين في الجزائر؟ الإجابة تكمن في أمرين: الأول بنائي يتمثل في غياب مفهوم ''المؤسسات'' الذي يمكن أن يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار والحريات، والثاني أيديولوجي أو فكري يكمن في عدم قدرة الإسلاميين على إظهار الاستعداد لقبول مبادئ ''التعددية'' و''التنوع''، ومن ثم الفشل في خلق أجواء رحبة للتفكير بحرية والعمل بإخلاص ووطنية دون إقصاء أو اتهام بالتطرف حيناً، والعلمانية حيناً، أو الليبرالية حيناً أخرى! ومن المؤسف القول: إن الوصول إلى بر الأمان في مصر يبدو ''شبه مستحيل'' إذا استمر الإخوان وأنصارهم يسبّون الليبراليين والعلمانيين، وإذا لم يكف الطرف الآخر عن إثارة الإخوان من خلال نقدهم اللاذع والحط من أفكارهم! وبناءً عليه لن تستقر الأمور وتنعم شعوب المنطقة بالديمقراطية، مادام مبدأ ''الديمقراطية'' يُفسر حسب الهوى والاتجاه ويطبق وفق الرغبة والاجتهاد! وأخيراً، هل يستوعب العرب هذا الدرس ليتمكنوا من إدراك المعنى الحقيقي للديمقراطية، واحترام التعددية، وقبول التعايش بين مكونات الوطن الواحد، وتبني الموضوعية واحترام الرأي الآخر، ومن ثم عدم تكرار هذه التجربة المؤلمة في مصر أو سورية أو أي مكان آخر، حفاظاً على أرواح الناس ومقدرات الدول، واستثماراً للزمن، بدلاً من تضييعه في ممارسات عبثية، دون وجود برامج اقتصادية مدروسة، ورؤية مستقبلية واعية، تتناسب مع معطيات العصر والمتغيرات الدولية! لا أرى نوراً في نهاية النفق، إذا استمر معظم المفكرين والمثقفين ورجال الدين لا يحترمون آراء بعضهم ولا يتورعون عن إقصاء أو تهميش من يختلف معهم في الرأي! باختصار، هناك حاجة إلى التفكير بموضوعية واحترام الرأي الآخر قبل الوصول إلى ممارسة صحيحة للديمقراطية!
إنشرها