العرب الجدد: نموذج الجلبي والبرادعي

|
الأوضاع العربية تعبير ونتيجة للفشل التنموي في جميع دوائره السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لهذا الفشل خلفياتٌ معقدة وأسبابٌ متشعبة ومتغيرة، وبالتالي يصعب رصدُها في عمود صحافي. أحد المداخل المهمة في فهم الحالة يتجلى في فهم دور بعض الشخصيات المؤثرة في المسرح الجديد. دور الأفراد يبقى دائماً محدوداً في عمليات التحوُّل التاريخي، ولكن لا يمكن أيضاً إنكار دور هؤلاء في تأسيس اللبنات الأولى سلباً أو إيجاباً. المتابع لتطور المعارضة العراقية إلى أن وصل العراق إلى هذه الدرجة من الإهلاك لا بد أن يتذكر دور الدكتور أحمد الجلبي، والمتابع اليوم لأحداث مصر لا بد أن يلاحظ أيضاً دور الدكتور البرادعي. تلتقي مصر والعراق في الفشل التنموي وتختلف في كيفية الوصول إليه وسبل الخروج منه، فيما يبدو أن اختلافات كبيرة تكون صغيرة عندما يكون التركيز على ضحالة البناء المؤسساتي في الحالتين. على الرغم من عناصر القوة في مصر الدولة، مقارنة بالعراق، الذي يعاني انقسامات مزمنة إلا أن التشابه أكبر من الجزئيات. الوجه الآخر لهذا التقصير المؤسساتي تعبّر عنه تلك الشخصيات المؤثرة في أثناء الانعطافات التاريخية. ما يجمع الجلبي والبرادعي أكثر مما يفرقهم. الجلبي حاصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة شيكاغو المعروفة إلى أن انتقل للعمل المصرفي، الذي انتهى به إلى المسألة القانونية في الأردن وهروبه منها. امتهن بعدها السياسة، وبدأ يشم فرصة اغتصاب السلطة "طبعاً هناك أسبابٌ موضوعية في أداء النظام السابق، الذي بدوره يؤول الأداء إلى النظام الذي سبقه". ذكاء الجلبي نقله من الرياضيات إلى المصارف إلى السياسة، وفي السياسة من الولاء للغرب إلى مهادنة إيران. العامل المحرّك فيه هو ذلك الحيوان السياسي، وليس مصلحة العراق ولا نهج تنموي فريد. لم تسعفه الانتخابات حتى هذه لم تقف في وجه الرغبة في التمركز المصلحي. البرادعي وصل إلى الاهتمام العالمي عندما كان أميناً عاماً لوكالة الطاقة الذرية معتمداً على قدراته ومهاراته كمحامٍ. بعدها امتهن المعارضة السياسية في الوقت المناسب ضدّ حكم مبارك، ثم ضدّ النظام المنتخب، وكذلك لم توقفه الخسارة الانتخابية من معارضة الرئيس الجديد منذ الأشهر الأولى. فهو محامٍ لم يقدر الاستحقاق الديمقراطي والنظامي ولا المرحلة التاريخية وتحديات مصر المعيشية. فالحيوان السياسي أقوى من كل هذه. مما يجمع هذا الجيل الجديد أنه لا يؤمن بالأيديولوجيات ولا القومية ولا الانتخابات؛ يؤمن فقط بالفرصة في أثناء الضعف. النتيجة الحتمية في مجتمعات لا تُبنى مؤسساتياً أن يصبح الفرد ذات النزعة السياسة أهم من البلاد ومصالح المواطنين. هؤلاء الأفراد سيجدون مَن يدعمهم داخلياً وخارجياً لأسباب مختلفة. غياب المؤسسات والمركزية القيادية الضرورية للبناء يجعل المجتمعات عُرضةً لإفراز أذكياء طموحين سرعان ما تكون الغريزة المصلحية هي البوصلة الجديدة لهم، وهذه غالباً في تناقض مع مصالح الأمة. يمثل الجلبي والبرادعي هذه النزعات في أبسط صورها وأكثرها ضرراً على شعوبها.. فسرعان ما تصبح رؤية هؤلاء غطاءً لاغتصاب السلطة مهما كانت التكلفة.
إنشرها