«الروحانية» لن تُنقذ الاقتصاد الإيراني

|
«من عجز عن إصلاح نفسه كيف يكون مصلحاً لغيره؟» جمال الدين الأفغاني - أحد أعلام الفكر الإسلامي ليس مهماً، إن كان الرئيس الإيراني المنتخَب ''الدكتور'' حسن روحاني، يحمل شهادة الدكتوراه أم لا. فهو يقول، إنه حصل على ماجستير في القانون الدستوري، من جامعة ''جلاسكو كالدونيان'' الاسكتلندية في عام 1995، عن أطروحة بعنوان ''السلطة التشريعية الإسلامية، بالإشارة إلى التجربة الإيرانية''. وفي عام 1999 حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها، لكن ''جلاسكو كالدونيان'' أكدت في توضيحات لها، أن روحاني لم يكن من طلابها في يوم من الأيام! بعض أنصاره (المتحمسين حتى الغباء)، روّجوا أنه تلقى تعليمه فيها قبل التسعينيات، دون أن ينتبهوا لأن الجامعة نفسها لم تكن موجودة قبل عام 1993، وهو تاريخ تأسيسها! على كل حال، هذا ليس جديداً فقد مر رؤساء حملوا شهادات عالية من جامعات لا يعرفون لغاتها! وربما لا يعرفون عناوينها. ليس مهماً هذا الأمر في حالة روحاني، تماماً مثلما هو بلا قيمة مع غيره من مدعي الشهادات، و''مرضى'' الانتماء الجامعي، و''مدمني'' الادعاء الأكاديمي. فإيران لا تحتاج إلى حاملي شهادات (حتى ولو كانت صحيحة)، إنها في أمسّ الحاجة إلى حاملي عقول فيها من الحكمة، أكثر مما فيها من الحمق، وفيها من الإصلاح، أكثر مما فيها من الاعتدال. ورغم أهمية هذا الأخير في كل شيء، لكنه يظل بلا قيمة إذا لم يكن جزءاً أصيلاً من الإصلاح والتغيير المستحق. والعالم كله، يعيش أزمة حقيقية من جراء اعتدال أمريكي مريع، يقوده باراك أوباما، على حساب تغيير محوري حتمي يحتاج إليه العالم، ولا سيما في المناطق الساخنة منه. وسورية إحدى هذه المناطق. فهذا الاعتدال ''الأوبامي'' أنتج - على سبيل المثال - تطرفاً روسياً ظن العالم أنه انتهى إلى الأبد، وزاد من وتيرة التطرف في دول مارقة مثل إيران وكوريا الشمالية وزيمبابوي، وأنظمة مارقة، مثل المالكي في العراق، وحكومة لبنان، وغيرهما. على كل حال، أعود إلى ''الدكتور'' روحاني، الذي انتُخب في الواقع من قبل الإيرانيين، ليس لاعتداله، بل بحثاً عمن ينقذ البلاد من الأزمة الاقتصادية المتجهة شيئاً فشيئاً نحو حالة يعتبرها البعض خراباً. فهو أمام معضلة اقتصادية، لم تخلقها العقوبات الغربية المفروضة على بلاده فحسب، بل أيضاً السياسات الاقتصادية التي اتبعها سلفه أحمدي نجاد، وساهمت بصورة أساسية - إلى جانب العقوبات - في استفحال المشهد الاقتصادي العام، وأوجدت معاناة معيشية متعاظمة، وصلت إلى حد التمرد في بعض المناطق الإيرانية. يضاف إلى ذلك، أن ''المرشد'' الإيراني، كبل بلاده بالتزامات مالية كبيرة لعدد من الأنظمة والعصابات التي يمولها، وفي مقدمتها نظام سفاح سورية بشار الأسد. ففي غضون عام ونصف العام - على سبيل المثال - حصل هذا الأخير على أكثر من عشرة مليارات دولار، إضافة إلى مجموعة من التسهيلات الائتمانية، والاتفاقيات التجارية وتلك الخاصة بتزويد الأسد وعصاباته بالوقود والسلاح. بينما تحتاج إيران في وضعها الراهن إلى كل دولار ممكن وغير ممكن. ماذا حصل؟ رفع المتظاهرون الذين خرجوا في شوارع البلاد، شعاراً له دلالات واضحة، ينبغي أن تدفع أي عاقل إلى استيعابها ''لا غزة ولا سورية ولا لبنان .. أرواحنا فداء إيران''. في زحمة الحملات الانتخابية للمرشحين، لم يتجرأ مرشح واحد منهم بمن فيهم ''الدكتور'' روحاني نفسه على طرح حلول لأزمات الاقتصاد، أو حتى حل واحد لأزمة واحدة. لماذا؟ لأن المشهد الاقتصادي هو على الشكل التالي: تراجع سعر صرف العملة الإيرانية مقابل العملات الرئيسية الأخرى إلى 60 في المائة.. والتراجع مستمر. وصول معدلات البطالة إلى 45 في المائة.. وهي متواصلة. نسبة التضخم بلغت (رسمياً) 22 في المائة، لكنها في الحقيقة تساوي ضعف هذه النسبة. 30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر النسبي.. وأعداد هؤلاء في تزايد. ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية.. والارتفاع ماضٍ إلى أعلى. تشهد (بين الحين والآخر) بعض المناطق الإيرانية، تأخراً في رواتب موظفيها (قبل ستة أشهر تأخرت رواتب حتى العاملين في مفاعل ''بوشهر'' النووي)! يخسر الاقتصاد ما يقرب من خمسة مليارات دولار شهرياً.. والخسارة ستستمر طبقاً للعقوبات المتجددة على البلاد. توقف غالبية مستوردي النفط الإيراني عن استيراده.. لم يبق في الساحة إلا عدد قليل جداً من الزبائن. انخفضت شحنات النفط الخام إلى 700 ألف برميل يومياً.. وما زالت تنخفض، والولايات المتحدة تسعى علانية، لإيصال الإنتاج الإيراني، إلى 500 ألف برميل يومياً. وكما هو معروف، تشكل العوائد النفطية 80 في المائة من دخل الخزانة العامة. سيتمتع ''الدكتور'' روحاني قليلاً جداً، بعدم تشديد العقوبات على بلاده من قبل الغرب، والسبب أن الدول الغربية تريد أن تمنحه فرصة. لكن ليست هناك أي مؤشرات على إمكانية أن يتقدم روحاني خطوة إلى الأمام بهذا الخصوص. لأنه، وإن احتل الرئاسة منتَخباً، لكنه لم ولن يحتل الحكم نفسه. هذه هي تركيبة الحكم في إيران. الذي يحكم هو المرشد، الذي بدوره حكم على نفسه بعودة ''المهدي التائه''.
إنشرها