فصفص .. جدتي

|
حين كتبت مقالي الأسبوع الماضي عن السيدة البريطانية جولي.. تلك المرأة التي بدأت مشوار كفاحها حتى أصبحت مليونيرة رغم أنها كانت مفلسة ومطلقة، وصلتني رسالة طريفة من قارئ كتب فيها ''أنتم يا الكتاب ينطبق عليكم المثل اللي يقول عنز الفريج تحب التيس الغريب، يعني معقول ما فيه قصص كفاح خليجية أو عربية تقولونها لنا، أو قصص الغربيين بنظركم شيء غير''. وبقدر العتب الذي حملته الرسالة، بقدر ما كنت سعيدة لإحساسي بمقدار الشغف الذي يحمله هذا القارئ وغيره لمعرفة مزيد من قصص الكفاح وكيفية تحقيق الأحلام وتلك الحكايات التي تمنح الإلهام لكل من يؤمن بأحلامه وأهدافه، ولكن لا حرج إطلاقا من ذكر قصص الآخرين مهما تباينت الطائفة والديانة والجنسية، فكما قال حبيبنا عليه الصلاة والسلام ''حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج''، وقال ''الحكمة ضالة المؤمن''، ولكن يا صاحب الرسالة العاتبة دعني أخبرك بقصة لم يسمعها أحد من قبلك، وأنا أكتب عنها لأول مرة، وأرجو أن يكون ما بها من الإلهام محفزا لك وللآخرين. طوال فترة طفولتي لم أشاهد جدتي في أي يوم من الأيام تجلس من دون عمل تقوم به، حيث كانت تطبخ ''الفصفص'' وتبيعه لنساء بلدتنا، وكانت تصنع من الخوص سفر طعام وأشكالا متعددة لتبيعها أيضا، كانت - رحمها الله - تتمتع بطموح كبير ونفس تهفو لتحقيق حلمها بامتلاك منزل خاص بها، كانت جدتي امرأة أمية، وفقيرة، وتعرضت في حياتها الشخصية لكثير من العثرات والعقبات والظلم الفادح الذي أضاع جزءا كبيرا من حقوقها، ورغم ذلك ظلت تحلم وتحلم، في يوم ما سألتها وهي تقوم بتحريك حبات الفصفص التي كانت تغلي بقدر الماء الكبير: جدتي أما زلت تحلمين ببناء منزل لك؟ فأجابتني: حين كنت صغيرة راقبت ليلا قربة ماء علقها أبي في ركن الغرفة ووضع إناء صغيرا تحتها حتى تجتمع نقاط الماء المتساقطة فيه، وفي الصباح وجدت الإناء قد امتلأ لآخره. ومن يومها أدركت أن أي حلم نسعى لتحقيقه يحتاج لصبر عظيم ودأب وطول بال. لقد حققت جدتي حلمها بعد سنوات من العمل الدؤوب والجهد المضني والإيمان بقدرتها على فعل ذلك - بإذن الله - حيث اشترت قطعة أرض وقامت ببناء منزلها الخاص عليها، وكانت فخورة جدا بما حققته وشاكرة لربها على عظيم فضله، ومن الفناء الواسع لمنزلها استمرت جدتي في بيع ''الفصفص'' وعمل سفر الطعام من خوص النخيل، وكونت ثروة مالية صغيرة، إلى أن أنهك جسدها النحيل المرض، فانتقلت لجوار ربها. حكاية جدتي منحتني الإلهام فيما بعد بأن كل شخص مهما كانت الظروف السيئة التي مر بها أو الظلم الذي تعرض له في حياته، فإنه قادر - بإذن الله - على أن يتخطى ذلك كله إن أراد هو ذلك، كانت إنسانة متسامحة لأقصى درجة، ولذلك لم تعرف السلبية واليأس والانهزام، ولم تكن تتحدث إلا عن الإيجابية والأمور المبهجة. حكاية جدتي علمتني أن الإنسان الذي يظل عالقا بالماضي وأحداثه الحزينة، لن يستطيع أن يحقق إنجازا أو يحتفل بأهدافه، لأنه ببساطه لم يدرك بعد أن الحياة هي الشيء الوحيد الذي لا يتوقف ولا يقبل الدوران للخلف. من يحلم عليه أن يسعى لتحقيق أحلامه.. فالأحلام لا تتحقق مصادفة!

اخر مقالات الكاتب

إنشرها