وزارة في عين العاصفة!

|
وزارة الصحة.. يبدو أن قدرها أن تكون كل شهر تقريبا في ''عين العاصفة!''. وزارة تعمل على مدار الساعة وخدماتها تغطي كل جزء من بلادنا، ولديها نقص كبير في الكفاءات الطبية والإدارية المؤهلة والمدربة، بالذات في المدن الصغيرة والقرى، ولديها حاليا مئات المشاريع لتعويض النقص الحالي الواضح في الموارد والإمكانات، في هذه الظروف: هل نتوقع أن تؤدي واجباتها ''بالتمام وبالكمال'' ويكون لديها الاستجابة التي نتوقعها للسيطرة على متطلبات التشغيل الكثيرة والمعقدة، وأن تعمل دون أخطاء أو تقصير؟ وزارة الصحة تتولى 60 في المائة من الخدمات الصحية في المملكة، ولديها حجم عمل ربما أغلبية الناس لا تعلم عنه، فالوزارة تجري سنويا نصف مليون عملية جراحية، وكذلك 265 ألف حالة ولادة، وتخدم مليونين و700 ألف مريض منوم سنويا، والرعاية الصحية الأولية تستقبل سنويا 55 مليون حالة، والعيادات الخارجية سنويا تستقبل 12 مليون زيارة، والطوارئ تستقبل 20 مليون حالة سنويا. هذا جزء من حجم العمل الكبير الذي تتصدى له الوزارة وهو الذي تحت المجهر، والنسبة الباقية في القطاعات الصحية الأخرى لا أحد يقف عندها ليحلل ويراقب أداءها! عندما يحدث تأخر وأخطاء في تقديم الخدمة تثور العاصفة في الإعلام على الوزارة وعلى العاملين فيها، وتصبح ''العاطفة'' هي المسيطرة على التناول الإعلامي، وتتم السخرية والانتقاص أو حتى ''نسف'' كل المنجز الوطني في القطاع الصحي، وتذهب الآراء المتخففة من المسؤولية الوطنية والأخلاقية إلى اتهام الوزارة والعاملين فيها بالتقصير والتسيب.. وحتى الفساد! المؤسف أن بعض الطرح يأخذ منحى التعميم على جميع العاملين في الوزارة، دون الأخذ في الاعتبار مشاعر وسمعة العاملين من إخواننا الذين يبذلون جهدهم للقيام بواجبهم.. هؤلاء بشر مثلنا يصيبون ويخطئون ومن حقهم علينا ألاَّ نخرجهم من إطار الطبيعة البشرية، وأيضا الوزارة لا تعمل دون رقيب، فنحن في دولة ولدينا مؤسسات رقابة وتشريع، وفيها مواطنون مثلنا لن يُحيدوا ضميرهم وأخلاقهم لكي يتستروا على باطل! آخر هذه العواصف ''فايروس كورونا''، في هذه الحالة وما نتج عنها من وفيات وإصابات محزنة ومؤسفة لنا جميعا.. اتخذت مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الصحة، كل الإجراءات الضرورية في مثل هذه الحالات، إذ تعاملت بشفافية مع الحدث، والمملكة منذ سنوات بعيدة تتبنى المبادرة الإيجابية في العلاقة مع المنظمات الدولية ومنها منظمة الصحة العالمية، وهذه المبادرات تنطلق من المبدأ الإنساني الأخلاقي ومن مبدأ المسؤولية والثقة بالنفس. وفي الإصابات الأخيرة، المملكة هي التي بادرت وأبلغت منظمة الصحة العالمية بالحالات المكتشفة، وزار المملكة فريق من المنظمة لكي يطمئن على الإجراءات المتخذة، ولكي يقدم المشورة الفنية الضرورية. وبعد الزيارة صدر عن المنظمة ما يطمئن ويثمّن الإجراءات التي اتخذتها السلطات السعودية، وهذا بعكس بعض الدول التي رفضت الكشف عن الحالات المشتبه بها لديها خوفا على سمعتها السياحية! لقد شاهدنا مَن مارس الطعن والانتقاص في الجهود التي بذلتها الدولة في هذا الموضوع، والمتابع الموضوعي يدرك أن ما تم عمله هو الجهد نفسه الذي يتم في ظروف مماثلة سابقة، فالدولة لديها التزام أدبي وإنساني تجاه الأمراض الوبائية، فهي تسخر كل الإمكانات لحماية شعبها والمقيمين لديها وحتى الزائرين والعابرين. وبخصوص الإمكانات التي توفرها المملكة، ثمة معلومة وهي أن المملكة البلد الوحيد في الشرق الأوسط تقريبا الذي لديه مختبر متقدم لتحليل الفايروسات، والفايروس الأخير تم تشخيصه في المختبر الذي بنته المملكة لخدمة أكبر تجمع بشري من الحجاج. بقي أن نقول إن هذه العواصف والزوابع الإعلامية التي تتجه لوزارة الصحة آثارها السلبية متعددة، فهي تعزز النظرة التشاؤمية السلبية الطاغية والمتنامية تجاه كل ما تقدمه الدولة. وما يطرح في الإعلام التقليدي يجد صداه في وسائط الاتصال الاجتماعي، فيتم تضخيمه وتحويله إلى حكايات تمر بالشائعات والمعلومات المنقوصة والمغلوطة. أيضا آثاره السلبية الضارة قد تصل إلى العاملين في القطاع الطبي بالذات القيادات، فهؤلاء نخشى أن يلحقهم الإحباط بسبب ما يصلهم من انتقاص لإخلاصهم وطعن في كفاءتهم وتشكيك في وطنيتهم. والخوف هنا على القيادات الوطنية في المدن الصغيرة والنائية، هؤلاء لن يصمدوا في مواقعهم وهم يرون كيف يكرّس إعلامنا ''صورة نمطية سلبية'' عن العاملين في الصحة خصوصا أن المدن الصغيرة يصعب وجود كفاءات طبية لاستقطابها إليها. هل هذا ما نريده لهذا القطاع الكبير المتنامي الذي يعاني نقصا كبيرا في الموارد البشرية خارج المدن الكبرى؟ المعروف أن استقطاب الكفاءات الطبية الوطنية والأجنبية إلى خارج المدن الكبرى مهمة صعبة، فالفرص الوظيفية المغرية توجد الآن بوفرة في القطاع الصحي المتنامي في المدن الكبرى سواء في القطاع العام أو الخاص. المؤسسات الصحية عموما ستواجه مشكلة رئيسة لاستقطاب الكفاءات مع دخول المشاريع الطبية الكبرى فترة التشغيل، وربما المشكلة نلمس بوادرها الآن بالذات في القطاع الخاص حيث يواجه مشكلة استقطاب الأطباء والفنيين المتميزين السعوديين وغير السعوديين رغم المميزات الكبيرة التي يقدمها. من المؤسف أن تكون بعض ممارسات إعلامنا ضدنا وضد مكتسباتنا، والسبب أن بيننا مَن يريد أن ''يبيع منتجه الإعلامي'' لأكبر شريحة ممكنة، وهناك أيضا مَن يريد أن يجمع ''المتابعين''.. كلٌّ يبحث عن الشهرة والضحية هو الوطن!
إنشرها