تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الثلاثاء 04 رجب 1434 هـ. الموافق 14 مايو 2013 العدد 7155
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 528 يوم . عودة لعدد اليوم

نفط سورية من ناهب تاريخي إلى ناهب معاصر

محمد كركوتي

«الفرصة تصنع السارق»

فرانسيس بيكون - فيلسوف وكاتب إنجليزي

كأن النفط في سورية كُتب عليه أن يبقى في طريق النحس منذ أكثر من أربعة عقود، لا أن يكون ضمن دائرة الاقتصاد والتنمية والناتج الوطني المحلي! كأن هذا النفط كُتب له أن يُسرق في كل المراحل، وألا يكون لأصحابه يومًا. باستثناء المرحلة ما بين 1957 (وهو العام الذي أنتج فيه النفط في سورية بمستويات تجارية) و1963 (وهو عام وصول حزب البعث إلى السلطة في البلاد)، ظل النفط منتَجًا للناهبين والسارقين، ولا سيما في عهدي الأسد الأب والابن. فقد حوله هذان الأخيران، إلى سلعة عائلية، تخص أسرة الأسد وتوابعها فقط. ولأنه كذلك، فلم يدخل النفط طوال أكثر من 40 عامًا، في الخزانة العامة للبلاد. كانت له حسابات جانبية خاصة جدًّا، بأكثر الحكام إجرامًا وفسادًا في التاريخ العربي الحديث، فضلًا عن أن الخزانة نفسها لم تكن عامة!

ومنذ أن وصل سفاح سورية الأول حافظ الأسد إلى الحكم، كان تعيين وزير النفط في الحكومات المتعاقبة يأتي مباشرة منه، ولا يخضع هذا الوزير (بالتحديد) للتراتبية الوظيفية. فعلاقته المباشرة مع الأسد تتجاوز علاقته مع رئيسه المباشر. فقد بات تقليدًا، أن يكون وزير النفط من ''حصة'' الرئيس، وسار على النهج نفسه سفاح سورية الثاني بشار الأسد. لا عجب في ذلك، إذا ما عرفنا أن العوائد النفطية التي كانت تبلغ قبل الثورة السورية الشعبية، مابين ستة وسبعة مليارات دولار أمريكي سنويًّا، تذهب مباشرة إلى خزائن الأسد وأتباعه المخلصين جدًّا، وهم في غالبيتهم من العائلة الحاكمة- المالكة نفسها. وعندما كانت الحكومات تضع في موازنتها العامة العوائد النفطية، كانت عرضة دائمًا للسخرية، فالكل يعلم أن العوائد الموضوعة ضمن جداول الموازنة.. وهمية، فضلًا عن أن أرقام الموازنة نفسها لا قيمة لها؛ لأنها ليست حقيقية. ولهذا السبب تتعاطى المؤسسات الدولية مع الشأن الاقتصادي السوري، وفق التقديرات والتخمينات، لا استنادًا إلى الأرقام الصادرة عن النظام الحاكم- المالك.

مع تحرير الثوار مناطق واسعة في سورية من احتلال الأسد، ولا سيما المناطق التي تتمتع باحتياطيات نفطية، أسرعت أوروبا للإعلان عن نيتها شراء النفط السوري فورًا، وتحويل عوائده إلى الثوار، كجزء من دعم الثورة! الأوروبيون (في الواقع) أسرعوا إلى هذه الخطوة، للتغطية على فشلهم في كل التعهدات التي أعلنوها وأكدوا التزامهم بها حيال سورية. والحق أنهم قدموا تعهدات أكبر من حجمهم السياسي على الساحة الدولية، تعهدات كانت تستند إلى ''مشاعر إمبراطورية'' بائدة، لا إلى معطيات حقيقية على الأرض. على كل حال، المبادرة الأوروبية بشراء النفط السوري ''المحرر''، اصطدمت على الفور، بحقيقة مخيفة، وهي أن القبائل وعصاباتهم ومعهم المهربون، باتوا يسيطرون على الحقول النفطية، ولا سيما أنها تقع في مناطق قريبة من ''مرابعهم'' وتحت سلاحهم. فقد ثبت أن قبائل تتمتع بنفوذ كبير في المناطق المشار إليها، نشرت مقاتلين مسلحين حول منشآت إنتاج النفط وخطوط الأنابيب، وتفيد المعلومات أيضًا، بأنها أبرمت صفقات للتهريب والتجارة!

وقد وزعت القبائل فيما بينها المنشآت النفطية، فكل قبيلة نافذة تسيطر على منشأة وربما أكثر! وعلى الرغم من مخاطر نقل النفط، بفعل الاشتباكات المتواصلة بين الثوار ونظام الأسد، إلا أن القبائل المسيطرة على المنشآت، تمكنت من تهريب دفعات كبيرة من براميل النفط الخام إلى تركيا عبر الممرات الزراعية، وتقوم ببيعها لحسابها، دون أي عائد للحراك الثوري في سورية، وبالطبع دون أن يستفيد الجيش السوري الحر، بقرش واحد من النفط المنهوب. ومن المصائب أيضًا أن الناهبين الجدد للنفط السوري، الذين يفترض أن يكونوا من الموالين للثورة والثوار، اشتروا مصافي متنقلة لتكرير الخام وبيعه وقودًا جاهزًا. فهم يبيعون برميل الخام حاليًّا بنحو 61 دولارًا أمريكيًّا، بينما يمكن أن يتضاعف هذا المبلع بعد التكرير، خصوصًا أن سعر مصفاة الخام المتنقلة الواحدة لا يزيد على ألف دولار أمريكي. وبحسب المختصين، فإن المصفاة الواحدة يمكنها تكرير ما يصل إلى 200 برميل يوميًّا!

بالطبع لن تشتري أوروبا النفط من هذه العصابات، ولكن هناك العديد من الجهات مستعدة لشراء الكميات المنهوبة، ولا سيما عبر تركيا. كما أن الناهبين الجدد للنفط السوري، ليس في مخططاتهم حتى المشاركة بالعوائد المنهوبة لا مع الثوار الحقيقيين ولا مع الشعب المنكوب. فهؤلاء مثل المافيات، كلما زاد مستوى الخراب في الأجواء، كان ذلك مثاليًّا! كما أن بعضهم لن يتردد في بيع النفط المنهوب إلى الناهب الأول بشار الأسد، إذا ما اضطر الأخير له! أن تنتقل المنشآت النفطية (شيئًا فشيئًا) من ناهب تاريخي إلى ناهب ''معاصر''، أمر فيه من الخيانة أكثر مما فيه من الفظاعة. ولا أحد يتوقع أن يشهد تدخلًا ما من جانب ما لوقف عمليات النهب هذه. فإذا لم يتدخل أحد لوقف قتل الإنسانية على الأرض السورية، فكيف يتدخل لوقف شحنات نفطية منهوبة من هذه الأرض؟!


حفظ طباعة تعليق إرسال
الأكثر تفاعلاً

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل

السيرة الذاتية

كاتب اقتصادي

m@karkouti.net

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات محمد كركوتي