هجرة العقول العربية .. المعادلة الصعبة

عبد الله العلمي
Abdullah_almi
نشرت مؤسسة الفكر العربي تقريراً بعنوان "هجرة العقول العربية أسبابها وآثارها الاقتصادية" كتبه محمد المنصوري وعبد العالي بوحويش الدايخ من جامعة عمر المختار، أقتبس منه هنا بعض المعلومات الصادمة التي قد تشد اهتمام المعنيين بالاقتصاد والموارد البشرية. أهمية التقرير تدور حول أعداد الكفاءات العربية المهاجرة - وهي أهم عناصر التنمية - إلى البلدان الغربية، من خلال الإحصائيات والتقارير التي تبين أسباب فقدان هذا المورد الاقتصادي المهم في عالمنا العربي. تظهر دراسات منظمة الأمم المتحدة أن معظم العناصر المهاجرة هي من الكفاءات ذات القدرة العقلية المتطورة. معظم هذه العقول العربية المهاجرة - كما وردت في التقرير - هم من حملة الشهادات الجامعية العلمية والتقنية والفنية كالأطباء، والعلماء، والمهندسين والباحثين، والاختصاصيين في علوم الاقتصاد والرياضيات والاجتماع وعلم النفس والتربية والتعليم والزراعة والكيمياء والجيولوجيا. من المؤسف الاعتراف بأن الدول العربية لا تبدي أي اهتمام بهذه العقول المفكرة والمبدعة. وهذه بعض الإحصائيات المذهلة التي ذكرها التقرير: 1. يهاجر نحو 100 ألف من العلماء والمهندسين والأطباء والخبراء كل عام من ثمانية أقطار عربية هي: لبنان، سورية، العراق، الأردن، مصر، تونس، المغرب، والجزائر. كما أن 70 في المائة من العلماء الذين يسافرون للتخصّص لا يعودون إلى بلدانهم. 2. منذ عام 1977 هاجر أكثر من 750 ألف عالم عربي إلى الولايات المتحدة. 3. 50 في المائة من الأطباء، و23 في المائة من المهندسين، و15 في المائة من العلماء من مجموع الكفاءات العربية، يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا. 4. يسهم الوطن العربي في ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية، خصوصاً أن 54 في المائة من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم. 5. يشكل الأطباء العرب العاملون في بريطانيا نحو 34 في المائة من مجموع الأطباء العاملين فيها. وقد قرأت في دراسة علمية أخرى أن ربع أطباء الأسنان في هولندا من الدول العربية. 6. تجتذب ثلاث دول غربية غنية هي: الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا نحو 75 في المائة من العقول العربية المهاجرة. 7. قدمت مصر وحدها في السنوات الأخيرة 60 في المائة من العلماء والمهندسين العرب إلى الدول الغربية. 8. يوجد نحو 4102 عالم إسلامي في مختلف علوم المعرفة في مؤسسات ومراكز أبحاث غربية. السؤال المهم هو: كيف استحوذت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية على اهتمام هذه العقول وقامت بتوظيفهم، بينما أخفقت الدول العربية في المحافظة عليهم؟ الدوافع لهجرة العقول العربية، كما جاء في التقرير، تعود إلى ثلاثة أسباب أساسية: العوامل الطاردة التي تدفع بالكفاءات العربية إلى الهجرة وترك أوطانها التي تعاني مظاهر التخلف، ومعاناة شعوب هذه الدول العربية من تدنٍ كبير في مستوى الدخل، وجمود المؤسّسات البحثية العربية القادرة على احتواء مثل هذه الطاقات، وفشلها في توفير الجوّ العلمي الملائم لها والاستفادة من قدراتها العلمية. لعلي أضيف أن النزاعات والحروب التي عصفت بالدول العربية خلال الـ 50 عاماً الماضية ساعدت على هجرة العقول للخارج للبحث عن مأوى آمن. كذلك فإن ضعف ميزانيات البحث العلمي في العالم العربي لا يشجع النابغين العرب على استكمال أبحاثهم العلمية في أوطانهم الأصلية، التي تخيم فيها البيروقراطية والفساد الإداري في مختلف مناحي الحياة اليومية. إنفاق الجامعات العربية على البحث العلمي لا يتعدى 1 في المائة من ميزانياتها، فيما تنفق الجامعات الأمريكية 40 في المائة من ميزانياتها على أبحاثها العلمية. كيف نعالج هذه الكارثة التي تعصف بتنمية الدول العربية، والوطن العربي خسر في نصف القرن الماضي من 20 إلى 30 مليون مهاجر، أي ما يمثل 10 في المائة من سكانه وكلهم من أصحاب العقول والكفاءات والثروات الفكرية؟ كيف نجح الغرب في إغراء العلماء والمفكرين العرب بينما فشلنا نحن في تهيئة البيئة الملائمة لهم؟ يقترح التقرير أن تكون هناك وقفة جادة لتلمس تعقيدات الواقع العربي، ومن ثم وضع الحلول الناجحة لهذه الظاهرة، كونها تعكس خطراً متواصلا ومتزايد التأثير في العالم العربي. كذلك يقترح التقرير وضع استراتيجية عمل عربية تشارك فيها الحكومات العربية كافة ومؤسسات العمل العربي المشترك لتقليل هجرة العقول العربية وإزالة العقبات التي تواجهها، ومن ثم معالجة المشكلات التي تعترض مسيرتها العلمية. لا مجال للإحباط والنظرة السلبية، هذا الأمر يتطلب عملاً عربياً جاداً لوقف تدفق هجرة العقول العربية على جميع الأصعدة السياسية والعلمية والاقتصادية. علينا أن نعترف أننا في العالم العربي ليس لدينا الاهتمام الكافي بثروتنا البشرية، وحتى عندما أبدينا الاهتمام لم ننجح في المحافظة على هذه الموارد الثمينة وتنميتها، ومن ثم إشراكها في عملية صُنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أتمنى ألا نحصر الشباب العربي بين خيار الهجرة إلى دول تقدر مواهبهم أو البقاء محبطين في دولهم الأصلية. الأمر يتعلق هنا بخسائر فادحة تفوق التصور؛ فدراسة مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية تؤكد أن هجرة ‏ ‏العقول العربية تكلف الدول العربية خسائر لا تقل عن 200 مليار دولار. الحل إذن هو توحيد الجهود في اتفاقية عربية مشتركة. ولكن كيف نحافظ على العقول العربية ونحن عاجزون حتى عن الاتفاق على تسعير الخيار والطماطم بين الدول العربية؟
إنشرها