عبد الهادي طاهر .. «مارشال» النفط والغاز

|
في يوم الثلاثاء 2/4/1434هـ الموافق 12/2/2013، انتقل إلى رحمة الله تعالى الدكتور عبد الهادي حسن طاهر، وهو أحد أبناء هذا الوطن الذين أنجبتهم المدينة المنورة، وأدوا واجبهم في خدمة الوطن بصدق وإخلاص. تخرج في كلية التجارة (قسم المحاسبة) في جامعة عين شمس المصرية عام 1954، وحصل على شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 1964. التحق بعد حصوله على بكالوريوس المحاسبة بالمديرية العامة للزيت والمعادن، التي كانت تابعة لوزارة المالية، ثم تحولت إلى وزارة البترول والثروة المعدنية عام 1960، وأصبح أول مدير عام لهذه الوزارة في عهد عبد الله الطريقي أول وزير بترول سعودي، وكان بذلك الرجل الثاني في الوزارة بعد الوزير، لأنه لم يكن يوجد آنذاك وكيل للوزارة، ثم عين محافظاً للمؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) فور إنشائها عام 1962، ثم صدر أمر ملكي عام 1978 بترقيته إلى مرتبة وزير، وظل محافظاً لمؤسسة (بترومين) إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1986. وهو من جيل الرواد في صناعة النفط والغاز في بلادنا، وقد أشرت إلى دوره في مقالي المنشور في صحيفة "الاقتصادية" بتاريخ 29/4/2004 بعنوان (عبد الله الطريقي وجيل الرواد في صناعة النفط)، حيث قلت في هذا المقال عن عبد الهادي طاهر ما يلي: (أدى دوراً مهماً وبارزاً في إدارة وتطوير الصناعة النفطية الوطنية في حقبة مهمة من تاريخ هذه الصناعة، وذلك من خلال عمله محافظاً للمؤسسة العامة للبترول والمعادن "بترومين" وإشرافه على المشاريع والشركات المنبثقة عنها، وشهد له عديد من الذين عرفوه أو تعاملوا معه أنه أحد العلماء الأفذاذ في اقتصاديات النفط والغاز). وأضيف هنا إلى ما سبق فأقول إنه إذا جاز لي أن أستخدم مسميات الرتب العسكرية في المجال الاقتصادي، فإن عبد الهادي طاهر جدير بأن يوصف بأنه كان مشيراً (فيلد مارشال) في قيادة قطاع النفط والغاز، فقد كان الرجل الثاني في قيادة هذا القطاع بعد أحمد زكي يماني وزير البترول الأسبق، وكان قائداً إدارياً استراتيجياً ذا رؤية بعيدة النظر، وكان مفاوضاً بارعاً وصلباً في الدفاع عن مصالح بلاده. روى - رحمه الله - شيئاً قليلاً عن ذكريات بعض جوانب عمله وتجربته في الحياة في كتابه (استراتيجيات البترول والغاز والتنمية في المملكة العربية السعودية)، وهو كتاب جدير بالقراءة لمن يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ تطور الصناعة النفطية الوطنية. وانقل باختصار من هذا الكتاب بعض المهام والوقائع الكاشفة عن دور الرجل وجهده في خدمة بلاده. 1 - عندما أنشئ خط التابلاين لنقل النفط الخام من السعودية إلى ميناء صيدا في لبنان، كان الهدف خفض سعر نقل النفط باختصار المسافة والوقت، واكتشف مدققو حسابات "أرامكو" في وزارة البترول، أن الشركات الأمريكية المالكة لـ "أرامكو" كانت تعتبر سعر النفط الخام في صيدا كما لو أنه كان محملاً في رأس تنورة، في حين أن الفرق بين السعرين شاسع. ومن هنا نشأت القضية التي اشتهرت باسم (قضية صيدا). وترأس عبد الهادي طاهر الوفد الحكومي للتفاوض مع "أرامكو" لتسوية هذه القضية. وبعد مفاوضات مضنية تم الاتفاق في عام 1964 على التزام "أرامكو" بدفع مبالغ مالية محددة كتسوية لهذه القضية. 2 - شغل باله عدم استغلال الغاز المصاحب للبترول وحرقه عند فصله عن البترول، ودفعه ذلك إلى الاستفسار عن الشركات الأمريكية العاملة في مجالات إنتاج واستغلال الغاز في الولايات المتحدة، فأجمع الذين استشارهم على تسمية شركة Texas Eastern، فاتصل بأحد كبار المسؤولين فيها وشرح له ما يدور في ذهنه حول الغاز المصاحب، وسأله عما إذا كانت شركته مستعدة لمعاونة "بترومين" في مشروع ضخم للغاز المصاحب. وبعد فترة وجيزة، تلقى رداً إيجابياً من تلك الشركة وترحيباً للقيام بهذه المهمة المعقدة. ثم اتفق مع وزير البترول أحمد زكي يماني على إبلاغ مجلس إدارة "أرامكو" الذي عقد في عام 1970 في مدينة سان فرانسيسكو بقرار الحكومة السعودية تملك الغاز المحترق واستغلاله، معللة ذلك بأن "أرامكو" لم تف بتعهداتها بموجب اتفاقية الامتياز التي تتضمن الاستغلال الأمثل للثروة الهايدروكربونية الواقعة في منطقة امتيازها، ولذلك فإن الحكومة التي تمتلك أساساً كل ثرواتها الطبيعية قررت سحب حق استغلال الغاز المصاحب وإعادته إلى صاحبة الحق، وهي حكومة المملكة العربية السعودية. وعندما عرض هذا الموقف أثناء انعقاد المجلس، وقع ما لم يكن في الحسبان، إذ نهض العضو الممثل لشركة شيفرون ليعترض على ما أعلنه الدكتور طاهر، وقال بالحرف الواحد "إن هذه الخطوة تعتبر سرقة لحقوق الشركات". وكان لكلامه هذا وقع القنبلة في الاجتماع، فانتفض الدكتور طاهر من مقعده واقفاً واتجه نحو باب قاعة الاجتماع لمغادرتها احتجاجاً على كلمة (سرقة). لكن رد فعل كبار المسؤولين في شيفرون كان سريعاً، إذ أمروا ممثلهم في المجلس بالانسحاب فوراً وأحضروا في الحال بديلاً عنه، بادر إلى الاعتذار الشديد عن زلة لسان زميله، وقدم اعتذاره للدكتور طاهر بوصفه ممثل حكومة بلاده، وقد قبل الاعتذار في حينه. هكذا عاد حق استغلال الغاز المصاحب إلى الحكومة السعودية في ذلك الاجتماع من دون أي مناقشات إضافية. 3 - عندما علمت شركة أرامكو الأمريكية من مصادرها الخاصة بأن "بترومين" تتعاون مع شركة تكساس إيسترن لوضع دراسة الجدوى الاقتصادية والفنية لاستغلال الغاز المحترق، عمدت هي نفسها إلى إعداد دراسة أخرى منافسة. وهكذا وجد وزير البترول أحمد زكي يماني في مطلع السبعينيات الميلادية أمامه مشروعين أحدهما قدمته "بترومين" مدعوماً بالدراسة التي أنجزتها "تكساس إيسترن"، والثاني رفعته "أرامكو" معززاً برأيها كشركة كبرى لإنتاج البترول السعودي وتصديره. فما كان منه إلا أن طلب من الأمير سعود الفيصل الذي كان آنذاك وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية أن يقوم بدور الحكم بين الطرفين. ودعا الأمير سعود إلى اجتماع حضره الدكتور طاهر ممثلا لـ "بترومين" وحضره فرانك جنجرز رئيس "أرامكو" آنذاك. وبعد أن شرح كل واحد منهما نتائج الدراسة التي يدعمها، أعلن الأمير سعود تأييده للدراسة التي قدمتها "بترومين" لأن دراسة "أرامكو" توصي بتجميع الغاز المصاحب ثم استعماله بكل بساطة كوقود مثل زيت الوقود الذي يستعمل لتوليد الكهرباء. وكانت دراسة "بترومين" تدعو إلى فصل الغازات الخمسة الأولى (المشار إليها في الجدول الخاص بعناصر الغاز المصاحب) وهي: الميثان والإيثان والبروبان والبيوتان وغاز البترول السائل، بحيث يستعمل كل واحد من العناصر الأربعة الأولى كلقيم لمصانع الكيماويات البترولية ويباع العنصر الخامس السائل في الأسواق العالمية .. وشتان ما بين الدراستين. 4 - أسهم في مفاوضات تملك شركة أرامكو، حيث كان أحمد زكي يماني يرأس الوفد السعودي لهذه المفاوضات. 5 - سئل مرة أحمد زكي يماني عن سر اعتماده على عبد الهادي طاهر في كثير من الأمور، فأجاب بأن الدكتور عبد الهادي بالنسبة إليه مثل عصا سيدنا موسى. وبعد: أليس مؤسفاً ألا تنعى وزارة البترول الفقيد الذي كان ملء عالم البترول وشاغل أناسه ردحاً من الزمن. رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.
إنشرها