«أرامكو» ومجلس الشورى والأراضي المحجوزة

|
في المقال السابق أوضحنا أن نظام شركة الزيت العربية السعودية (أرامكو السعودية) الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/8 وتاريخ 4/4/1409هـ قرر أن وزارة البترول والثروة المعدنية هي الجهة الحكومية المنوط بها مهام الإشراف على جميع أوجه نشاط الشركة الفنية ومراقبة جميع إيراداتها ومصروفاتها والتأكد من تنفيذ الشركة سياسات الحكومة البترولية، وأن الشركة تخضع للرقابة المالية اللاحقة لديوان المراقبة العامة وفقاً لقواعد محددة. واستكمالاً لما سبق، أشير إلى أن الدكتور عبد الله الفوزان انتقد في مقاله المنشور في صحيفة ''الشرق'' بتاريخ 16/01/2013 عدم خضوع ''أرامكو'' لمتابعة ومراجعة مجلس الشورى، حيث قال حرفياً ما يلي: ''كل الجهات الحكومية تزود مجلس الشورى بتقاريرها السنوية ليناقشها المجلس، إلا (أرامكو) فهي فيما يبدو خارج نطاق المتابعة والمراجعة حتى لو كانت شكلية كمتابعة مجلس الشورى، وحاول المجلس إقناع (أرامكو) بأن تكون مثل غيرها – كما قرأت في الصحف، لكنها - كما يبدو - لم تفعل ذلك، ولا أدري ماذا حصل''؟ في تقديري أن ''أرامكو'' غير ملزمة قانوناً بأن ترفع تقارير سنوية عن أعمالها وأنشطتها إلى مجلس الشورى لأن المادة 15 من نظام مجلس الشورى حددت اختصاصات المجلس، منها الاختصاص الوارد في الفقرة (د) من هذه المادة وهو (مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى واقتراح ما يراه حيالها). وفي رأيي أن المقصود من عبارة (الأجهزة الحكومية الأخرى) هو الأجهزة التي لا تخضع لإشراف أي وزارة مثل ديوان المراقبة العامة والهيئة العامة للطيران المدني والرئاسة العامة لرعاية الشباب، فهذه الأجهزة ملزمة مثل الوزارات بأن ترفع تقارير سنوية عن أعمالها إلى مجلس الشورى. ولذلك ولما كانت ''أرامكو'' لا تعد جهازاً حكومياً، بل هي بموجب المادة الأولى من نظامها شركة تملكها حكومة المملكة العربية السعودية، فإنها غير ملزمة برفع تقارير سنوية إلى مجلس الشورى عن أعمالها وأنشطتها، إنما يلزم نظام الشركة مجلس إدارتها بأن يرفع تقريراً سنوياً إلى المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن الذي له سلطة اعتماد هذا التقرير وإبراء ذمة أعضاء مجلس الإدارة عن إدارتهم للسنة موضوع التقرير. وإذا كانت ''أرامكو'' غير ملزمة برفع تقارير سنوية إلى مجلس الشورى، فهذا لا يعني حجب المعلومات والبيانات المتعلقة بشؤون صناعة النفط والغاز عن مجلس الشورى، إذ يفترض أن توضح وزارة البترول والثروة المعدنية في تقريرها السنوي المقدم إلى مجلس الشورى الأعمال والإنجازات التي حققتها شركة أرامكو وغيرها من الشركات الأخرى العاملة في مجال صناعة النفط والغاز. ولمجلس الشورى أن يوجه جميع الاستفسارات بخصوص أي شأن من شؤون صناعة النفط والغاز إلى وزارة البترول والثروة المعدنية بوصفها الجهة المختصة. من ناحية أخرى، فقد تجدد الحديث حول الأراضي التي تحتجزها شركة أرامكو، وتعرضت الشركة لانتقادات بسبب موقفها من هذه المسألة وامتنع عثمان الخويطر عن التعليق على هذا الموضوع في مقاله المنشور في صحيفة ''الاقتصادية'' بتاريخ 20/1/2013 قائلاً: ''ليس لدي تعليق على حجز الأراضي التي كان قد دخل جزء منها في ملك المواطنين، وأعتقد أن الموضوع أكثر تعقيداً من توجيه اللوم فقط إلى ''أرامكو''، فهناك أطراف أخرى وملابسات تجعل حل القضية من الأمور الشائكة، وربما أن الموضوع الآن في حاجة إلى تدخل الجهات العليا لحله والحفاظ على مصالح المواطنين الذين لا ذنب لهم فيما حصل''. وسبق لي أن تناولت الجانب القانوني لهذا الموضوع في مقال منشور في صحيفة ''الاقتصادية'' بتاريخ 30/6/2012م بعنوان ''(أرامكو) والأراضي المحجوزة''، وكان أبرز ما قلته في هذا الشأن ما يلي: 1- إن شركة أرامكو السعودية تقوم بالبحث والتنقيب واستخراج وتسويق وبيع النفط والغاز وإقامة المصافي وغير ذلك من الأعمال المتصلة باستثمار هذه الثروات الطبيعية بموجب اتفاقية امتياز مبرمة مع الدولة. وبموجب هذه الاتفاقية يكون لشركة أرامكو حق الانتفاع من الأراضي المحجوزة الداخلة ضمن نطاق امتيازها طالما أنها تحتوي على ثروات نفطية وغازية أو أنها لازمة لتنفيذ أعمالها ومشروعاتها. وسواء ظلت ملكية هذه الأراضي للدولة أو انتقلت ملكيتها للأفراد بالمنحة أو البيع، لأن انتقال الملكية إذا حدث لا يكون كاملاً، بل ناقص، لأنه ينحصر في نقل ملكية الرقبة فقط ولا يشمل انتقال ملكية المنفعة التي تظل لشركة أرامكو حتى تتخلى عنها إذا قدرت أنها لم تعد لازمة لأعمالها ومشروعاتها. 2- حتى ولو سلمنا جدلاً بصحة الرأي القائل إن من شأن محجوزات ''أرامكو'' المساهمة في عدم القدرة على مواجهة الطلب المتزايد على الأراضي السكنية، فإن الضرر الناشئ عن استمرار حجز هذه الأراضي يعتبر ضرراً خفيفاً بالقياس إلى الضرر الفادح والخطير الذي سيلحق بالاقتصاد الوطني إذا تخلت ''أرامكو'' عن هذه المحجوزات من دون مسوغ اقتصادي أو فني، والقاعدة الشرعية تقضي بأن (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف). وأضيف إلى ما سبق أن ''أرامكو'' ليست مسؤولة من الناحية القانونية عن مشكلة الأراضي الداخلة ضمن نطاق امتيازها، والتي دخلت في ملك المواطنين. وأن على الجهات الحكومية المختصة التي أجازت نقل ملكية هذه الأراضي إلى المواطنين، أن تبحث عن الحلول المناسبة لهذه المشكلة على النحو الذي يحفظ حقوق المواطنين ولا يعرض المصالح الحيوية للاقتصاد الوطني للخطر.
إنشرها