النفط الصخري .. لا يكفي

د. أمين ساعاتي
المتابع للتقارير التي تنشر عن سوق البترول العالمية في هذه الأيام، يلاحظ أن الاتجاه في الغرب ينشط نحو تمرير حملة إعلامية، تزعم أنها تستطيع الاستغناء عن بترول الشرق الأوسط، وإحلال النفط الصخري وغيره من أنواع الطاقة المتجددة محل النفط الأحفوري. لذلك فإن سوق البترول في الشرق الأوسط يعتريها في هذه الأيام شيء من الذعر، بسبب تسريب هذه التقارير التي تحذر من مغبة انخفاض الطلب على البترول عام 2013م واستغناء العالم - في المستقبل القريب - عن نفط الشرق الأوسط. هذه هي الزفة التي يزفها الإعلام الغربي في هذه الأيام، ويؤكد من خلالها أن بترول الشرق الأوسط سيصبح بائراً، وأن الطلب العالمي عليه سينخفض بشكل ملحوظ. نحن نشك في قدرة النفط الصخري أو غيره من أنواع الطاقة المتجددة، على أن تحل محل البترول الأحفوري، وهذه الحملات الإعلامية المسعورة، تذكرني بالحملة المسعورة التي شنها الإعلام الغربي ضد بترول الشرق الأوسط في الثمانينيات، حتى هبط سعر برميل البترول إلى 12 دولاراً. وفي تلك الأيام نجح الإعلام الغربي مؤقتاً في الضغط على سوق البترول، حتى وصلت الأسعار إلى أدنى مستوياتها، وحينما هبطت الأسعار، ركضت الولايات المتحدة ووقعت عقوداً طويلة المدى على شراء البترول بأسعار زهيدة، لكن الطلب على البترول ما لبث أن عاد إلى مستوياته المرتفعة، وعندذاك أدركت الدول المنتجة ذيول المؤامرات التي كان يدبرها الإعلام الغربي ضد بترول الشرق الأوسط. وإذا أعدنا قراءة التجارب السابقة نجد أن الولايات المتحدة تبدأ مشاريعها السياسية أو العسكرية من خلال التهديد بالاستغناء عن بترول الشرق الأوسط، فمثلاً حينما قررت الولايات المتحدة غزو أفغانستان والعراق عام 2001، ألمح الرئيس الأمريكي بوش الابن، إلى أن الولايات المتحدة تحضر لمفاجأة الاستغناء عن بترول الشرق الأوسط بالنفط الصخري، علماً بأن الغزو الأمريكي للعراق كان هدفه الرئيس آبار البترول العراقية، وليس أسلحة الدمار الشامل! ولذلك مرت عشر سنوات ولم تستغن الولايات المتحدة عن بترول الشرق الأوسط، بل ظلت أكبر مستورد لبترول الشرق الأوسط. واليوم يحقق مشروع إنتاج النفط الصخري تقدماً ملحوظاً في الولايات المتحدة، وهذا شيء جيد، أما أنه يكون بديلاً عن بترول الشرق الأوسط، فهذا ما لا نوافق عليه ولا تقبله الحقائق على الأرض. إن الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تستغني عن بترول الشرق الأوسط لأسباب موضوعية ولوجستية كثيرة، منها غزارته وجودته وتنوعه وسهولة نقله وتوصيله إلى مشتريه، وإمكاناته الصناعية الضخمة، حتى مع أن بعض الآبار بلغت سن الشيخوخة واليأس، فإن البعض الآخر من الآبار ما زالت تعيش في عز شبابها. إذن يجب ألا يخيفنا التلويح بالنفط الصخري، لأن ما يخيفنا جداً هو ''النضوب''، لأن معدلات الاستهلاك العالمي للبترول عالية جداً وتنذر باحتمالات غياب البترول عن سوق الطاقة العالمية في منتصف القرن الحادى والعشرين. أقول مرة أخرى إن النفط الصخري لا يخيفنا، إنما الذي يخيفنا هو الغرف بكميات كبيرة من آبار النفط، أمّا النفط الصخري فسيكون بمنزلة اَلإضافة التي تحل محل النقص في المعروض من النفط الأحفوري. أمّا قضية تهديد الغرب بزيادة استثماراته في مجالات البحث عن طاقة بديلة غير البترول .. فهذا التهديد ليس جديداً، ففي الثمانينيات - كما ذكرنا - شن الغرب وابلاً من التهديدات الهادفة إلى زيادة استثماراته في مجالات البحث عن موارد جديدة للطاقة، بما يكفل له الاستغناء عن بترول الشرق الأوسط، ويومها أخذت سوق البترول هذه التهديدات على محمل الجد، فتأثرت أسعار البترول وهبطت إلى أدنى مستوياتها. لكن نظراً لأن هذه التهديدات كانت مجرد لعبة سياسية لحمل الدول المنتجة على خفض أسعار البترول، فقد عاد الغرب إلى شراء بترول الشرق الأوسط بأسعار أغلى وبمعدلات أعلى وأعلى من ذي قبل. إن الذى يتابع سياسة المملكة العربية السعودية بالنسبة للطاقة المتجددة، يجد أن المملكة تتجه إلى التنوع والبحث عن موارد جديدة للطاقة، لأنها تخشى أن توصلنا معدلات الاستهلاك الحالية إلى نضوب بعض آبار البترول قبل الأوان، لذلك صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بإنشاء مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة، وكلفت هذه المدينة بمسؤولية البحث عن موارد بديلة للطاقة. الأكثر من هذا أن المملكة اتخذت خطوات تنفيذية نحو التعاقد على بناء مفاعلات نووية لإمداد مشاريع المياه والكهرباء بالطاقة. بمعنى أن زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة وفي غيرها من دول العالم لا تقلق المملكة، بل بالعكس تطمئنها بأن الحضارة الإنسانية لن تضيع إذا نضب البترول وخف إنتاجه. نحن نقول للغرب أكثروا من استثماراتكم في مجالات البحث عن طاقة بديلة ولا توقفوها فقط على النفط الصخري، بل عمقوا استثماراتكم في كل موارد الطاقة البديلة، لأن معدلات استهلاك البترول تجاوزت كل المعدلات المعقولة، وكثير من آبار البترول بدأت تدخل مرحلة النضوب، وأن العالم في أمس الحاجة إلى بدائل للطاقة وليس إلى بديل واحد. إن هناك مشاريع كثيرة للبحث عن الطاقة البديلة، وهي مشاريع مشروعة، والمملكة ترحب بها، بل إن المملكة دولة من الدول التي تسعى - كما ذكرنا - إلى الوصول إلى موارد جديدة للطاقة، وهي في الوقت نفسه متأكدة من أن البترول الأحفوري سيظل (حتى الآن) فرس الرهان الرابح حتى يضمحل وينضب.
إنشرها