التأمين الصحي للمواطن هل هو الاختيار الأفضل؟

تقديم الخدمات الصحية من خلال التأمين الطبي لجميع المواطنين من الأمور التي تتنوع فيها اتجاهات الدول المتقدمة، فيوجد بعض الدول التي تقدم مثل ذلك لجميع المواطنين أو أغلبيتهم، وهناك البعض الآخر الذي يقدمه للبعض بناء على معايير معينة، ويختلف الأمر من خدمة صحية إلى أخرى، وتوجد دول أخرى ما زالت تقدم الخدمات الصحية من الحكومة كعلاج مجاني كما هو شائع في دول مثل بريطانيا. التأمين الصحي له إيجابيات متعددة، منها تخفيض التكلفة على الدولة، فرغم ارتفاع تكلفة العلاج في القطاع الخاص سواء في المملكة أو غيرها من دول العالم، إلا أن هذا أقل بشكل ملحوظ من التكلفة التي تتكبدها حاليا ميزانية الدولة في علاج المواطنين، إضافة إلى أن تقديم خدمات صحية من خلال القطاع الخاص، قد يسهل تقديم الخدمات الصحية في أوقات متعددة خلال اليوم، وفي مواعيد أسرع بكثير من المستشفيات الحكومية التي تأخذ أحيانا وقتا طويلا يتجاوز الأشهر، كما أن القطاع الخاص لديه كفاءة أعلى في تخفيض التكلفة التشغلية مقارنة بواقع الحال في القطاع الحكومي. لكن السؤال هنا: هل المملكة مهيأة حاليا لتقديم التأمين الصحي للأفراد بدلا من تقديم الخدمات الصحية بصورة مباشرة؟ التحول إلى التأمين الصحي له إيجابياته وسلبياته، خصوصا أن الاستثمار في القطاع الصحي الخاص لم يصل إلى مرحلة النضج، وجودة خدماته لم تصل بعد إلى الحد الذي يمكن أن يعول عليه في تقديم خدمات صحية للمواطن بصورة جيدة، لذلك تجد شكوى قائمة من كثير من المواطنين بسبب أخطاء في تقديم الخدمات الصحية. والخدمات الصحية عملية متكاملة لا تقف عند الطبيب فقط، فكفاءة الممرض والممرضة لا تقل أهمية عن أهمية كفاءة الطبيب والطبيبة، فضلا عن الخدمات الأخرى سواء كانت إدارية أو فنية، فعملية العلاج عملية متكاملة لا تقتصر على شخص المعالج، وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الخدمات تقدم بأفضل ما يكون لدى القطاع الصحي الحكومي، لكن دافع البحث عن الربح لدى بعض مؤسسات القطاع الخاص قد تجعله يهتم باختيار بعض الأطباء الذين يمكن أن يكونوا عامل جذب وتسويق للمؤسسة، لكن بقية الكادر الطبي والعلاجي قد لا يكون بالمستوى الذي يحقق الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة. إضافة إلى التجهيزات من الأدوات والأجهزة قد تكون أحيانا من التجهيزات متدنية القيمة، إذ غالبا ما ينعكس ذلك على مستوى جودتها، وهذه قد توجد مشكلة أخرى في تقديم الخدمة المطلوبة للمواطن. الأمر الآخر أن القطاع الصحي الخاص متوافر غالبا في المدن الكبرى الرئيسة، أما المدن الأخرى في مختلف مدن المملكة، فغالبا تقدم هذه الخدمات من خلال وحدات صحية ومستشفيات حكومية، وهذا ما يجعل القطاع الخاص يمكن أن يخدم جزءا من المجتمع، لكن ليس الجميع. ثم إن القليل من المراكز الصحية في القطاع الخاص متكاملة الخدمات، حيث إنها تعتمد في أحيان كثيرة على استئجار مبان غير مؤهلة لتقديم الخدمات الصحية، وهذا ما يؤثر في جودة خدماتها. كما أن هناك أمورا أخرى قد تتأثر بتسليم تقديم الخدمات الصحية للقطاع الخاص، لعل منها مسألة توظيف المواطنين، إذ إن القطاع الخاص قد يعتني مثل القطاع الحكومي بتوظيف المواطن، ومع تطبيق جميع شروط توطين الوظائف، فهناك فرق كبير بين ما يقدمه القطاعان العام والخاص، ومنها الشعور بالمسؤولية تجاه علاج المواطن، إذ إن المستشفيات الحكومية تقبل أي حالة تعرض عليها وتسعى إلى إيجاد خيارات لها، وتقدم توصياتها وتقوم بتحويل المريض إلى مستشفى آخر متخصص أكثر في علاج الحالة، أما في بعض مستشفيات القطاع الخاص فإن الحالة قد تكون مختلفة، إذ إنها لا تشعر بالمسؤولية في معالجة أي حالة، وتبقى المسؤولية على المريض للبحث بين مجموعة من المستشفيات للوصول إلى العلاج. ومع هذا كله فازدياد الطلب على الخدمات الصحية أصبح اليوم كبيرا بصورة لا تستطع المستشفيات الحكومية الإيفاء به رغم التحسن في تقديم خدماتها الصحية، إلا أنها تعجز عن أن تلبي احتياج المجتمع، لذلك يمكن أن يكون التحول إلى التأمين الصحي خيارا مطروحا، لكن لا بد أن تسبقه خطوات من أهمها تحول المستشفيات الحكومية القائمة إلى مؤسسة غير ربحية، تشرف عليها مؤسسات حكومية من الناحية الفنية مثل وزارة الصحة والجامعات، أما مواردها المالية فتتم إعادة تشغيلها في النشاط ذاته، وتحصل على دعم حكومي من جوانب متعددة. ومنها أن يتم إقرار نظام للمؤسسات غير الربحية يشمل مجموعة من القطاعات الخدمية مثل التعليم والصحة، إضافة إلى أهمية التأكد من أن هذا التحول لا يؤثر سلبا في المدن التي لا توجد فيها مستشفيات للقطاع الخاص، كما أنه من المهم قبل ذلك كله إيجاد نظام ومعايير واضحة لتقديم الخدمات الصحية، والإشراف على تطبيق هذه المعايير، مع توضيح العقوبات التي تنال أي مخالف بصورة تتناسب مع حجم الخطأ. الخلاصة .. إن التحول إلى القطاع الخاص لتقديم الخدمات الصحية من خلال التأمين الصحي قد لا يكون بالضرورة إيجابيا لعلاج مشكلات قائمة في تقديم الخدمات الصحية للمواطن، لكن يبقى خيارا ممكنا بعد دراسة مقارنة، لكن قبل اختياره ينبغي أن يتزامن مع مجموعة من الإجراءات التي تقلل من احتمال وجود آثار سلبية له.
إنشرها