نفوسنا المنقسمة بين عصرين

|
في الخلاف على الموقف من الحداثة، مال أكثر الكتاب الإسلاميين إلى موقف انتقائي يصنف منتجات الحضارة الغربية إلى تقنيات وثقافة. ورأوا أن نأخذ بالمنتجات المادية، لأنها ''حديد ميت'' لا ينطوي على حمولة ثقافية أو روحية، ونترك الثقافة والقيم لأن مضمونها أو حمولتها تعارض ما نملكه من ثقافة وقيم. يبدو هذا الموقف عمليا ومعقولا عند معظم الناس. فالإنسان ليس مضطرا إلى الأخذ بما لا يريد، ما دام سيدفع الثمن على كل حال. تأمل قليلا في عمق هذا الخيار، وسترى أنه لم يكن خيارا على الإطلاق، ولا يؤدي الغرض المقصود. لست مخيرا في الأخذ بأسباب الحياة الحديثة أو البقاء على الحياة السابقة للحداثة. لأن هذه تلاشت تماما، ولم يعد ثمة بديل عن الحياة الجديدة. لا يسع إنسان اليوم أن يستغني عن نظام الاتصالات الحديث، ولا فصل معيشته عن نظام السوق. وبصورة إجمالية – يستحيل عليه العيش خارج إطارات الحياة الجديدة. من هنا فإن قبوله بعناصرها ليس موازنة بين خيارات عديدة، بل طريق وحيد لا بديل عنه. لكن الحداثة ليست منتجات مادية فقط. إنها فلسفة حياة ومنظومة خاصة من القيم وأساليب العيش والعلاقة مع المحيط. إذا رضيت باستعمال المنتجات المادية، فقد وضعت قدميك على أول الطريق. هذا القرار هو بذاته بداية انحياز إلى دائرة الحداثة الفلسفية، كما أنه بالقدر نفسه ابتعاد عن دائرة التقاليد والمتبنيات الثقافية للمجتمع التقليدي. هذا الانحياز متحقق فعلا في مجتمعنا، ونرى تأثيراته في تفاصيل حياته. من المفردات اللغوية الشائعة إلى تصنيف الهموم والانشغالات الذهنية والعملية، تصور الإنسان لنمط عيشه ومستقبل أبنائه، تفكيرنا السياسي وسلوكياتنا، نماذج الدول والمجتمعات التي نريد التعلم منها. هذه جميعا مؤشرات على أن قبول المنتجات المادية للحداثة مجرد بوابة يعبرها الإنسان – واعيا أو غافلا – إلى الحداثة بكل عناصرها وقيمها ونظامها الحياتي. لعل أقرب الأمثلة على هذا المنحى هو الميل الشديد للدراسة في الدول الصناعية. خلال الفترة من 2007 - 2012 انضم 140 ألف سعودي لبرنامج الابتعاث، وهو مؤشر واضح على نموذج المستقبل الذي يفكر فيه معظم السعوديين. سواء كنا من حراس التقاليد أو من دعاة الحداثة، فثمة حقيقة لا يسعنا إغماض العين دونها. حقيقة أن مجتمعنا يعيش تحولا ثقافيا وقيميا موازيا لتحولاته المادية. إنكار هذه الحقيقة أو إغفالها تسبب في كثير من التناقضات التي تواجهنا. هذه الغفلة جعلت واقعنا منقسما بين عصرين. حياة مادية تنتمي لعصر الحداثة، وحياة ثقافية – روحية تنتمي لعصر التقاليد. مثل رجل يريد الإبحار فيضع رجلا في السفينة والأخرى على رصيف الميناء، فلا هو مستقر على أرضه ولا هو متحرك نحو مقصده.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها