المدن الاقتصادية .. لماذا تتوارى عن الأنظار؟

|
شهدت المملكة نهضة تنموية كبيرة خلال العقود الماضية، ولكنها لم تتسم بالتوازن المكاني في كل مناطق المملكة. فقد تركزت معظم فعاليات التنمية في المحور الشرقي الغربي (الدمام – الرياض – مكة المكرمة). وأدى ذلك إلى تدفق أعداد هائلة من السكان إلى مدن الرياض والدمام وجدة على وجه الخصوص من داخل المملكة وخارجها. فقد ضمت مناطق الرياض ومكة المكرمة والشرقية ثلثي سكان المملكة أي نحو 66 في المائة. واستحوذت أربع مدن فقط (الرياض والدمام وجدة ومكة المكرمة) على نحو نصف سكان المدن، ولا تزال هذه المدن تنمو بمعدلات تفوق معدلات النمو لإجمالي سكان المملكة. واعترافاً بذلك تسعى الدولة لتحقيق تنمية أكثر توازناً من خلال ضخ مزيد من أنشطة التنمية في المناطق الأقل نمواً لإنعاشها اقتصادياً، ومن ثم تخفيف الضغط والتكدس السكاني في المدن الكبرى (الرياض والدمام وجدة). فأنشأت العديد من الجامعات والمدن الجامعية في جميع مناطق المملكة ونشرت الكليات في معظم المحافظات. وبدأت – بالفعل – هذه المشروعات التعليمية تؤتي أكلها وتخفف من الضغط على الجامعات الرئيسة، ولكن لن يستمر هذا الأثر الإيجابي طويلاً، ما لم تتخذ إجراءات داعمة للتوظيف في المناطق الأقل نمواً. فقد يعود التدفق للمدن الرئيسة بعد تخريج آلاف الطلاب ودخولهم سوق العمل، وذلك بسبب قلة الفرص الوظيفية في المناطق الصغيرة في الشمال والجنوب. وربما يضطر الخريجون الجدد إلى التوجه للمدن الكبرى سعياً للحصول على العمل. لذلك جاءت فكرة ''المدن الاقتصادية'' لتسهم في حل هذه المشكلة. واستبشر المواطنون بالإعلان عن تأسيس مدن اقتصادية ومعرفية وتقنية في شمال المملكة وجنوبها وغربها وشرقها. فأعلن تأسيس أربع مدن اقتصادية هي: مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في رابغ (متوقع أن توفر مليون فرصة عمل)، ومدينة المعرفة الاقتصادية في المدينة المنورة (ستوفر 20 ألف فرصة عمل)، ومدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل (متوقع أن توفر 30 ألف فرصة عمل)، ومدينة جازان الاقتصادية (متوقع أن توفر 100 ألف فرصة)، وقد تم طرح اثنتين منها للاكتتاب العام، هما: مدينة المعرفة، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية قبل سنوات. وطمعاً في استكمال تأسيس هذه المدن وضمان تحقيقها لأهدافها، قامت الدولة بتأسيس ''هيئة المدن الاقتصادية'' في بداية عام 1431هـ. ومن المأمول أن تسهم هذه المدن في تحقيق أهداف الخطط التنموية من خلال: (1) الإسهام في تحقيق تنمية إقليمية متوازنة من خلال تسريع النمو الاقتصادي في المناطق الأقل نمواً، (2) زيادة التنوع الاقتصادي في المملكة وتخفيف الاعتماد على إيرادات البترول، (3) استيعاب جزء كبير من قوة العمل الوطنية من خلال توفير فرص وظيفية تصل إلى 1.3 مليون وظيفة بحلول عام 2020م (4) زيادة مشاركة القطاع الخاص كشريك في التنمية في المملكة. وقد لمع نجم ''المدن الاقتصادية'' في فترة قصيرة، ولكن لم يلبث هذا النجم اللامع أن خفت لمعانه وأوشك أن يتوارى عن الأنظار. فعلى الرغم من مرور سنوات منذ إنشاء بعضها والاكتتاب في بعضها الآخر، فإن المواطن لم يلمس إسهاماً يُذكر في إنعاش المناطق الأقل نمواً أو توظيف أبناء تلك المناطق ولو بأعداد خجولة. لقد كان من المتوقع أن تسهم في خلق عدد من الفرص الوظيفية المقررة، ولكنها لم تحقق شيئاً يُذكر. لقد حان الوقت لوضع هذه المدن تحت المجهر ومحاولة تذليل العقبات التي تعترضها أو إصلاح سوء الإدارة التي تعانيها بعض هذه المدن. وفي اعتقادي يمكن إصلاح الخلل وتفعيل هذه المدن من خلال وضع هذه المدن الاقتصادية على المحك في ندوة علمية تنظمها إحدى الجامعات بالتعاون مع ''هيئة المدن الاقتصادية''.
إنشرها