أمي .. في دار المسنين

سلوى العضيدان
في إحدى الدورات التدريبية التقيت بها امرأة عصامية تثير الاهتمام من أول وهلة، حدّثتني طويلاً عن نجاحها في إدارة شركتها وقدرتها على قيادة الموظفين والموظفات ببراعة واقتدار، وعن رصيدها البنكي، الذي يتجاوز الملايين بفضل خططها وأهدافها، التي تحرص على تحقيقها بدقة وحرفية عالية، كما حدثتني بزهو عن الأثر الكبير الذي تتركه بعد كل اجتماع أو مؤتمر تحضره، وعن كلمات الثناء والمديح، التي تتناثر بطريقها إعجاباً بتميزها الباهر، الذي حققته في حياتها العملية. ولا أخفيكم سراً بأني أنا أيضاً انبهرت برحلة كفاحها وقدرتها على الصمود أمام كل العراقيل والتحديات، التي واجهتها، خاصة أنها نشأت يتيمة الأب وقامت على تربيتها أم أرملة صالحة رفضت كل مَن تقدّم لها من أجل ألا تأتي بزوج "يغربل" ابنتها، وينغص عليها حياتها، لذلك بادرتها لا إراديا بقولي: أتعلمين عزيزتي كل هذا النجاح الذي تنعمين به إنما هو بفضل الله تعالى، ثم بفضل دعاء والدتك لك، وحُسن برك بها والقيام على شؤونها، تلعثمت .. تغيّر لون وجهها .. ارتبكت .. ثم نهضت منصرفة معتذرة بضرورة إجراء اتصال هاتفي بعميل مهم! فيما بعد علمت بأن سيدة الأعمال العظيمة هذه، قد رمت قبل عشر سنوات بوالدتها في دار المسنين حتى لا تنشغل بها وتشغلها عن الانطلاق نحو النجاح وحصد الملايين وكلمات الثناء والمديح. كم هو مؤلم أن تشارك العالم باحتفالية نجاحك الباهرة .. بينما والدتك تقبع في سجن وحدتها وهي مَن حاكت لك من خيوط صبرها معطف نجاحك وشاركتك لحظات الترقب وأمسكت بيدك أوقات التعثر! كم هو محبط أن ترمي والدتك بدار المسنين وتبيعها بثمن بخس بضاعة مزجاة.. لتقايض بقلبها الصادق قلوباً ماكرة عشقتك من أجل مصالح لهم تراءت بك .. وسينفض سامرهم عنك بمجرد انتهائها! كم هو مخز أن تدعي النجاح وتتباهى به وأنت أكبر راسب بالتاريخ .. فنجاحك الذي بنيته على أنقاض قلب أمك هو مجرد خيوط ضعيفة متشابكة واهية كبيت العنكبوت، وستكون هباءً منثورا لا قيمة لها، فالأعشاش لا تصمد بوجه الأعاصير!! في داخلك أنت تعلم أنك ارتكبت خطيئة كبرى حين تخلصت من فؤاد أم كانت سويداؤه تزغرد فرحاً حين ترتسم البسمة على محياك، ويتلوى ألماً حين يرى الحزن يسكن قسماتك، ويتهلل سروراً حين تقبل من بعيد، فإن كنت مقتنعاً بفعلك فأخبر الآخرين بأنك قد رميت بوالدتك في دار المسنين، حين يسألك أحدهم عنها أخبره بأنك قد ضقت ذرعا بها وبخدمتها، وأنها تعيق مسيرتك ونجاحك فرأيت أن الحل يكمن في إقصائها عن حياتك! أتراك قادراً على إخبارهم، وكيف ستقولها بشجاعة .. بعزة .. بفخر .. وأنت رافع رأسك ... أم بخزي وإحساس بالعار والذلة وأنت مطأطئ رأسك؟! يقول تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). أمر الله بحسن عشرة الوالدين الكافرين وجمال صحبتهما .. وأنت تفرط بجحود في والدة علمتك كيف تتوضأ وتصلي وتصوم. أي قلب سيكون قلبك إن لم تهرع لوالدتك الآن في تلك الدار وتقبل يديها وقدميها ورأسها، وتطلب منها الصفح والغفران. وتهمس بأذنها: كل نجاح من دونك رسوب يا أمي..!
إنشرها