لكم الله يا أهل الضاحية

|
تلكم ضاحية الملك فهد في الدمام وليس أي ضاحية أخرى. نعم، فأي زائر يصل إليها، يكتشف أن هناك مناطق ما زالت بعيدة عن الحضارة والخدمات. رغم حداثة المخطط وحجمه الهائل ومسؤولية الأمانة عنه، إلا أن أبسط خدمات القرن التاسع عشر ما زالت مفقودة في تلك المنطقة الحديثة نسبياً. أعلم أن أغلب السكان هم من ذوي الدخل المحدود الذين حصلوا على الأراضي عن طريق المنح. وأعلم أن علية القوم قد لا يأتون لزيارة هؤلاء المواطنين الضعفاء، وأعلم أن مقالي قد لا يحرك ساكناً ما دام المسؤول يعلم والمواطن يعلم والإعلام كل يوم يتكلم؛ لكن الأمانة الصحفية، والالتزام بمشاركة المواطن همومه، والبحث عن وسائل إيصالها للمسؤول - تبرئة للذمة - مرة بعد أخرى دفعني للكتابة. أثار استغرابي وأنا قادم لزيارة أحد أصدقائي ممن حصلوا على منحة في الضاحية - وهو يمون علي بالطبع - طلبه مني إحضار الخبز ما دمت في منطقة الحضارة، لا أخفيكم أنني استغربت في البداية، لكنني قدرت موقفه بعد أن دخلت حياً كاملاً لا توجد فيه بقالة أو مخبز. عندها سألته: أين المستثمرون منكم؟ كان سؤالي كافياً ليفتح حواراً طويلاً كله شكوى. أكد المسؤولون لجميع الساكنين قبل أن يباشروا بناء منازلهم - وما زالوا - أن المنطقة ستكون مثالية في شوارعها وأحيائها وأسواقها التجارية؛ بل إن أحدهم أكد له أنها ستكون أجمل من أحياء وأسواق الجبيل الصناعية، التي تريد الأمانة أن تحذو حذوها في توزيع الخدمات والمحال التجارية. الحديث تطرق كذلك إلى خدمات أخرى تعاني الضاحية نقصها أو فقدها بالكلية. سجل صاحبي ابنه في مدرسة تبعد أكثر من عشرة كيلومترات، وابنتيه أبعد من ذلك، فتحول إلى سائق توصيل كل صباح وظهيرة، وأصبح مستهدفاً من قبل رؤسائه، ويحصل على تقارير لن تدعم وضعه المادي أو تسهم في ترقيته، بل إنه مهدد بالفصل بسبب كثرة تأخره. سألته ماذا عن ''حافل'' و''ناقل'' وتلك الأسماء الرنانة التي نسمع بها ونراها في الشوارع؟ قال: يبدو أننا في خطتهم المقبلة. هذا المواطن - وأمثاله ممن يعيشون في الضاحية - يعاني نقصا في كل شيء، فعندما يريد الذهاب إلى أي مرفق صحي ''خارج الضاحية بالطبع'' لعلاج أي من أعضاء أسرته، فإن هذا يعني غياب يوم كامل، فالحضور والانتظار والعلاج والعودة تستغرق أربع ساعات من يوم العمل، ويستغرق الذهاب إلى مقر عمله نصف ساعة. ويستمر الانتقاد من رئيسه الذي يسكن حي الشاطئ، ويتولى أموره الخدم والحشم ممن يعملون في الإدارة وغيرهم، ولا يستوعب معاناة الموظف المسكين لأنه لا يعرف أين تقع الضاحية أصلاً. توجد شوارع في الضاحية بعرض ثلاثين وأربعين وستين متراً، لكنها لا تعد تجارية في عرف مخططي الضاحية، ولهذا لم يسمحوا لأي مستثمر بأن يؤسس أي موقع لممارسة أي نشاط تجاري. حتى إن أحدهم فكر في أن يوفر مواد السباكة للسكان، لكن مصير المحل كان الإغلاق، وصاحبه التحقيق. هذا الإهمال والبعد عن معاناة الناس ليس محموداً، بل إنه يعد إساءة في حق المواطن وحق الجهة الحكومية التي منحت الأرض ورخصت بالبناء من الأساس. تحارب جميع البلديات محاولات حل أزمة السكن، وأهمها إقرار المخططات السكنية. فرغم الحاجة وندرة المواقع المخصصة للإسكان وسيطرة عدد قليل من تجار ''هوامير'' العقار على الأراضي. ورغم أن المنطق يقضي بإعطاء الفرصة لكل من يريد أن يسهم في حل الأزمة ويستفيد مادياً من خلال تخطيط الأراضي التي يملكها في النطاق العمراني، إلا أن البلديات الموقرة تعطل معاملاتهم وتوقعهم في فخ بيروقراطي بينها وبين وزارة الزراعة ووزارة المياه وكتابات العدل، وجهات أخرى. هذا الإمعان في تأزيم مشكلة قائمة والتعطيل الواضح لحل أزمة الإسكان، ينبغي أن يتوقف. تشترط البلديات أن يقوم مالك المخطط بتسوية الأرض ورصفها وإنارتها وتوفير كل الخدمات فيها، وتخصيص جزء كبير من المساحة للمدارس والخدمات الصحية والمساجد، وهو أمر جيد دون شك، لكن أين أمانة مدينة الدمام من تنفيذ ما تُلزِم به المستثمرين عندما قامت بتوزيع المنح والتصريح للمواطنين بالبناء دون أن تكلف نفسها عناء توفير أي من هذه الخدمات؛ بل تجاوزت ذلك إلى حرمان المواطنين حتى من الخبز والماء. إن مسؤولية البلديات بشكل عام تستدعي أن تكون مثالية في تنفيذ الأعمال التي تكلف بها، وأن تكون قدوة للمستثمرين لا أن تستغل وضعها القانوني وقدرتها على فرض النظام وتكون أول من يخرقه، لأنها عندما تفعل ذلك ينطبق عليها قول الشاعر العربي: لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله.. عار عليك إذا فعلت عظيم. أتمنى أن تلتفت أمانة الدمام إلى الضاحية، وأن يتكرم مسؤولوها بزيارتها للقاء المواطنين والاطلاع على معاناتهم والعمل على إنهائها. كما أن اللقاءات المستمرة بين الأمانة والجمهور مهمة في حل المشكلات وضمان أداء الواجب الذي كلفوا به على الوجه الأكمل، وهو المأمول منهم كمسؤولين شرفاء وعلى مستوى عالٍ من العلم والمعرفة، ودرسوا وعاشوا في دول تعمل فيها البلديات على إرضاء المواطنين لنيل أصواتهم.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها