خطر «تويتر» على الأمن الوطني

|
يضطر مستخدم ''تويتر'' إلى قراءة تعليقات وأفكار ومفاهيم وروابط أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها ترفع الضغط، وتثير الاشمئزاز، وتدفعه للتفكير في ردود وتغريدات قد لا تعكس شخصيته وأسلوب تعامله في الواقع. هذا الفضاء المملوء بكل أنواع الطروحات المقبولة منها والمرفوضة، ينتشر فيه – مع الأسف - ترويج أفكار سلبية يرفضها المجتمع. ارتفاع سقف الحرية يجعل الكثير يستغلون هذه الحرية للقدح والسب واتهام الآخرين، واستخدام تعابير لا تلائم مستوى التناول الذي يجب أن يسود بين المستخدمين. تجد الكثير من المغردين يستخدمون أسماء كودية، ولا يعرضون ملفاتهم الحقيقية، بل يدعون أنهم أشخاص معرفون اجتماعياً أو إعلامياً، الأمر الذي يدفع كثير من الأشخاص للإعلان عن عدم علاقتهم بتلك الحسابات المشبوهة. يفترض أن يكتب الكل بأسمائهم الحقيقية، ما دام سقف الحرية عالياً. أسباب كثيرة تدفع الناس إلى التهرب من التعريف بأنفسهم، منها عدم قناعة الكاتب بما يقول، ورغبته في استخدام الحساب للتشفي أو تصفية الحسابات مع من لا يستطيع مواجهتهم في الواقع، ومنها الكذب الصريح على أشخاص أو هيئات، وقد يفعل المغرد ذلك لخوفه من الملاحقة القانونية أو الأمنية، إلا أن أخطر نوعين من المغردين ''المتخفِّين'' وراء أسماء كودية هما خائنو الأمانة المهنية، ورجال المخابرات الذين يبحثون عن الصيد أو يهدفون إلى نشر معلومات معينة في مواقع التواصل الاجتماعي. أذكر أنه سرت خلال فترة الثمانينيات الميلادية نكتة تقول إن شخصاً جاء يطالب بغسيل مستعجل لملابسه، لكن عامل المغسلة رفض قبول ملابسه بحجة كثرة الملابس بسبب أن اللواء الفلاني (فيه يروح شرورة بكره)، نعم كان أول من يعلم بتحرك القوات هو عامل المغسلة، والسبب عدم محافظة الأفراد على سرية تحركات القوات. عدلت المناهج وتم التركيز في فترات التدريب على خطر نشر معلومات تخص العمل. معلوم ما حدث للقوات العراقية عندما كانت تتجه لدعم القوات العربية حينما أذيع خبر تحرك (القوات الباسلة للمشاركة في معارك الكرامة)، فاستقبلتها الطائرات الإسرائيلية في منتصف الطريق ودمرتها قبل أن تصل إلى أرض المعركة أصلاً. مثال أوضح كان سبباً لنكسة حزيران (يونيو) 1967، عندما دمرت الطائرات الإسرائيلية كامل ملاك القوات الجوية المصرية من الطائرات الحربية على أرض المطار قبل أن تبدأ المعارك، والسبب تسرب المعلومات. لن أخوض في الأمثلة التاريخية المليئة بحروب خاسرة ورابحة أنتجتها سرية التحركات، لكن القارئ يستطيع أن يستنتج تلك الأمثلة. أكبر مثال في عالمنا العربي لنجاح سرية تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية، هو ما حدث في حرب أكتوبر 1973، التي كان أكبر عناصر نجاحها هو ''المحافظة على سرية المعلومات''. بمعنى آخر، أكبر هزيمة وأكبر نصر في التاريخ العربي المعاصر صنعتهما ''تسرب وسرية المعلومات''. تداولت مواقع ''تويتر، وفيس بوك، ووات ساب''، خلال الفترة الماضية نسخا لأوامر تتعلق باستعداد القوات السعودية ورفع حالة التأهب. سواء كان ذلك تمريناً أو حقيقياً فإن تسرب هذه المعلومات جريمة يجب أن يعاقب كل شخص له علاقة بها. يستدعي الوضع أن يدرس هذا التسريب ويتم التعامل معه باعتباره خطراً يهدد الأمن الوطني والوطن بالكامل. شاهدت أمس هذه النسخ على صدر صحيفة ''طهران تايمز'' التي نقلت الخبر عن قناة ''برس'' الإيرانية. أجزم بأن من أراد أن يبعث صورة ذلك الأمر أو الأوامر التي تلته، لم يكن يعلم أنها ستحصل على هذه الهالة الإعلامية، سواء كان جاهلاً بنتائج ما يفعل، أو عنصراً قصد تسريب المعلومات لأغراض سياسية أو استخباراتية. يجب الآن على مسؤولي الجهات التي خرجت منها هذه الصور أن يعملوا على كشف هذا الاختراق الخطير وسببه وموقعه وعلاجه قبل أن يتسبب في مزيد من الخسائر المادية والمعنوية. يجب على جميع القطاعات أن تحصن معلوماتها وتمنع تداولها بهذا الشكل المسيء إلى الدولة والقطاعات العسكرية. كما يجب أن يعاد تنظيم حركة تنقل المعلومات، بما يحافظ على درجة السرية التي تحملها. - تداول البرقيات السرية للغاية يجب أن يتوقف عند حد معين، بعده تتحول التعليمات إلى أوامر شفهية ويحتفظ بالأوامر المكتوبة لدى مستويات قيادية معينة. - يجب إعادة تزكية المتعاملين مع البرقيات الحساسة. - يجب استخدام الوسائل الإلكترونية كالبريد الإلكتروني المحمي للقيادات العليا، بحيث يصل الأمر إلى القائد نفسه وليس من خلال المراسلات والصادر والوارد العاديين. عندما سألت في الصين: لماذا لا يمكن الدخول على ''تويتر وفيس بوك''؟ ذكر لي أن هذه البرامج ممنوعة، ليس الهدف هناك أخلاقيا أو اجتماعيا، إنما هو سياسي وأمني بالدرجة الأولى. أرجو ألا نضطر إلى فعل الشيء نفسه بسبب مجموعة من الأشخاص غير المسؤولين.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها