فهد السلطان رائد الإدارة الإسلامية

|
جمعني العمل التطوعي في مجلس الغرف السعودية برائد الإدارة الإسلامية الدكتور فهد بن صالح السلطان، الذي شهد له كل قيادات الاقتصاد في شرق آسيا وإفريقيا ويعدونه قيادة إسلامية أكبر من كونها عربية أو خليجية، وكذلك الغرف التجارية العربية والإسلامية تفتخر دائما في المحافل الدولية بأن أمين عام مجلس الغرف التجارية والصناعية لدولة الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية، يمثل الرؤية الإسلامية في القضايا الاقتصادية، والغرف السعودية تثمن أطروحته ومشاريعه الاستراتيجية في تقريب وجهات النظر بين طموحات الغرف التجارية والصناعية وسياسة الدولة للقطاع الخاص. الدكتور فهد السلطان في اجتماعات مجلس الغرف ديمقراطي في اتخاذ القرار وفي حق التصويت، وليس من أنصار الثلث المعطل أو تفريق الأعضاء إلى تكتلات، لكنه كان شديدا جدا على الموظفين وحازما في العمل الداخلي لا يقبل سوى تنفيذ الأوامر، ولا يسمح للأعضاء بالتدخل في الإدارة التنفيذية. لذلك سأؤرخ سيرته إيجاباً وسلباً بما رأيته وتعاملت معه وبما اتفقت معه وما اختلفت، ولقد صغت مقالتي عنه على ثلاث أضلاع أساسية، هي: (مؤمن قوي – صاحب منهج إيجابي – صادق في التعامل)، وصدقا لكل ضلع في هذا الشخصية كيان إنساني عفيف التعامل والمعشر، تجعلك دائما تقارنها بالشخصيات الإدارية التي تقرأ عنها في مجلة forbesmagazin الأمريكية. الدكتور فهد السلطان عرف في المحافل الدولية بأنه إداري من بيئة إسلامية ذات سمات إنسانية، بمعنى أنه ليس غربي التوجه أو ليبرالي الفكر، واستطاع خلال فترة عمله كأمين عام أن يؤطر أهداف كتابه الذي صدر قبل دخوله المجلس والمعنون باسم "إعادة هندسة نظم العمل"، لذلك لم تكن شهادة الدكتوراه أو خبرته السابقة في وزارة الشؤون البلدية والقروية هي التي أقنعت مجلس إدارة الغرف التجارية السابقة بأنه أهل لقيادة الإدارة التنفيذية، إنما كان يمتلك مشروع (هندرة العمل الجماعي وكيفية تطبيقه على أرض الواقع). الدكتور فهد السلطان شخصية لها الأثر الحسن في تفعيل كثير من المبادرات الخلاقة لعمل المرأة أو المشاريع الصغيرة أو إعطاء شباب الأعمال فرصة مشاركة مجلس الغرف السعودية في اللجان أو مجالس الأعمال المشتركة. خلفيتي القانونية وعملي في المحاماة عرفتني كيف أتعامل مع الشخصيات القوية وأصطدم معها بالحجة والمنطق، لكن من عام 2005 حين مثلت غرفة جدة ممثلا لها في مجلس إدارة الغرف السعودية، تعلمت منه نموذجا أروع وهو التوازن في الطرح والمناقشة، لا يرفع الصوت ولا يحرج الطرف الآخر، إنما يؤمن بأهداف مجلس الغرف ولا تأخذه في الحق لومة لائم في إيضاح الخلفيات ثم يترك الأمر شورى بين الأعضاء. أذكر له أحد المواقف المؤثرة في المجتمع الاقتصادي وفي مجلس الغرف وهو عمل المرأة في القطاع الخاص، ففي اجتماع المجلس بداية عام 2007 وقبل تسلم الشيخ صالح بن علي التركي رئاسة مجلس الغرف السعودية، كان مطروحا على جدول الاجتماع بند عمل المرأة وفق الضوابط الشرعية، وطرحت رأيا بأهمية تفسير المقصود من الضوابط الشرعية، وشرحت بأن هذا الشرط مقبول في دول تعتمد على القوانين المدنية وليس على السعودية ذات الأنظمة الشرعية، إلا إذا كانت تعني في تصميم المكاتب أو طريقة التعامل الداخلي بين الموظفين، وما إن طرحت هذا الرأي سمعت صوت العم الكريم عبد الرحمن الجريسي يجلجل في قاعة المجلس ونهرني وقال لجميع الأعضاء غير مسموح مناقشة هذا البند أو تغييره، ولولا حماية الشيخ صالح التركي وتهدئة الموقف لقامت معركة حامية الوطيس وصراع أجيال، وقال التركي للعم عبد الرحمن الجريسي هو رأي للنقاش وليس مطلبا لتغير أو لحذف البند، لكن لم يقبل العم عبد الرحمن الجريسي وترك البند إلى اليوم جملة عامة، ولا أنسى فضل وإحسان الشيخ حسين العذل أمين عام غرفة الرياض حين تدخل مخففا التوتر وقال: لا مانع إن قبل الأعضاء أن نعدل الرأي إننا نحتاج مستقبلا إلى توضيح شرعي من الإفتاء لمساعدة الشركات والموظفين حتى لا يقع المجتمع في تفسيرات مختلفة. هنا تبنى الدكتور فهد السلطان هدفا ساميا بما يتوافق مع الأمر السامي الكريم ويحقق المقاصد الشرعية، ليس بفتح الأبواب لعمل المرأة في القطاع الخاص أو الاختلاف على الضوابط الشرعية، إنما بمشروع متكامل لعمل المرأة من منزلها باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وقال نقدم لهم خيارات متعددة ونترك لهم حرية الاختيار، وعمل خلال 2007 – 2009 على المشروع وقدم آليات تنفيذ العمل من المنزل بما يحقق لها الدخل الجيد والمحافظة على دورها كزوجة وأم في الأسرة العائلية. الزاوية الأخرى في شخصية الدكتور فهد صالح السلطان هي المنهج الإيجابي وحسن الظن بالله ثم في عباده، فهد السلطان شخصية لا ترتدي أقنعة ولا تكذب ولا تنافق ولا تجيد الكر والفر (الشخصية البرغماتية) كما يقول أهل السياسة، يأخذ كل رأي أو مشروع بموقع حسن ولا يرتاب في نفسية الآخرين، خلاصة القول وبلغة أهل مكة شخصية غير معقدة. ختاما الدكتور فهد صالح السلطان فعليا يمتلك كاريزما ترهبك وترعد مفاصلك، وصاحب موهبة وفطنة في الاجتماعات تثير غبطة الأعضاء إن لم يكن حسدهم، تعامل باقتدار مع خمسة رؤساء و50 عضو مجلس إدارة من بيئات وطوائف مختلفة، لكن اختار مع المجلس الجديد أن يقدم استقالته وطُلب منه الانتظار للوقت المناسب، وكذلك الحقيقة الأخرى أن المجلس الجديد مطالب من أعضائه بأن لهم حق التغيير والتجديد في أمانة المجلس، لكن لم نوفق في اجتماعنا الأخير بتحقيق رغبة الطرفين بمخرج موفق، لكن يظل الكبير فهد السلطان كبيرا في عين المجتمع الاقتصادي وأبناء الوطن.
إنشرها