يدرك الساسة الإيرانيون قبل غيرهم أنه لم يبق لهم من رصيد في الداخل الإيراني نفسه سوى لعبة الوهم والإيهام للشعب بأنهم مستهدفون من اتحاد السعودية والبحرين بعدما حُصِرَ هذا النظام في مصيدة العقوبات الدولية، وترنح اقتصاده، وضج الشعب من بؤس حاله وتسلط نظامه عليه.
كما يدرك النظام الإيراني أنه بات في عُرف العالم خارجاً على الشرعية الدولية، وأنه أمعن في هوس أحلام إمبراطورية فارسية ما عادت سوى خيلاء نظرية في ملحمة الشاهنامة، كما لو صدق الإغريق اليوم، أن ما قاله هوميروس في الإلياذة يمكن أن يعود، أو صدق ورثة جلجامش في سومر أن مملكة سومر ستعود كما كانت.
لكن الساسة الإيرانيين بين إدراكهم هذا وبين غلواء مذهبية صرفة مصرون على مناطحة التاريخ وقلبه ليمشي على رأسه، في مضاربة على مأزق الهوية بين الحالين وما يقع بين الحالين من فسيفساء القوميات والأعراق والمذاهب التي تقض مضاجع الساسة أنفسهم في أن الواقع ناشز عن غلواء الهوس مضاد له في المضمون والاتجاه.
وهذا النظام حين يُجَيِّشُ حرسه الثوري وغوغاءه من ميليشيات ومن مستفيدين مستغلين أعطيات النظام يحاول بذلك تغطية الهوة المعنوية العميقة لمأزق هذه الهوية الملتبسة من ناحية وتهافت النظام نفسه في بنيته الداخلية وفقدانه أي نوع من المصداقية شعبياً وحتى في صلب دوائر صناعة القرار فيه بالتجاذبات والصراعات المكشوفة، ليس بين المرشد ورئيس الدولة فقط، إنما بين رموزه السياسية في هذه الدائرة أو تلك، على نحو لم يعد معه صانع قرار يركن للآخر إلا بالمزايدة عليه بالهروب إلى الأمام.. وطبعا الأمام هنا يعني السير إلى الحتف كبطل تراجيدي في واحدة من مسرحيات سوفوكليتر، عاريا حتى من مجد تلك البطولة الأسطورية.
وما أشهرته المظاهرات المدبرة والمفبركة من السلطة الإيرانية هو الحقيقة الصرفة للطبيعة العدوانية والاستعمارية لذهنية السلطة الإيرانية التي قدمت بغوغائيته التظاهر أدلة بالصوت والصورة على هذه النزعة ونواياها التي ظل قادة دول مجلس التعاون يؤكدونها لساسة العالم منطلقين من شاهد احتلال الجزر الإماراتية، ومن تدخل سافر خطير في شؤون العرب داخل بلدانهم في لبنان والعراق وسورية وفلسطين وفي البحرين والسعودية.. وحين تزج السلطة الإيرانية بمتظاهرين ملقنين بكلمات محددة ضد اتحاد مزمع بين السعودية والبحرين وسائر دول مجلس التعاون وبمزاعم تاريخية لفارس في البحرين فذاك أبعد من سقوط الأقنعة؛ لأن الأقنعة كانت في قناعة دول المجلس ساقطة منذ عقود، إنما جهر بالنوايا حتى لو كان على سبيل الهوس بإمبراطورية فارسية غابرة.
تدرك دول الخليج العربية رعونة الهوجة الإيرانية، وتدرك سعي إيران الحثيث إلى الدور التخريبي والتآمري على بلدانها وعلى شقيقاتها العربية.. وهي في إدراكها هذا تعرف أن إيران إنما ترزح تحت ثقل تناقضاتها الصارخة.. وأهمها أنها دولة تسير بمروق على التاريخ، وهذا السير بطبيعة الحال ليست له سوى خاتمة معروفة هي الخروج من التاريخ بيد شعبها أو بيد العدالة الدولية.
