الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

غياب النموذج الاقتصادي مصدر التشوش!

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الأحد 20 مايو 2012 2:7

افتراض وجود هوة بين القوى البشرية والعمل، يؤكدها الإحساس بعدم الرضا عن الذات في إنتاجية محسوسة.. ليس بمعنى أن ثمة عدم وصال بين الطرفين، ولكن لأن الهوة لا يتم تجسيرها إلا بما يؤدي إلى الإنتاجية، التي تعاني حالياً هشاشة وارتباكاً وأحياناً تشوشاً في المضمون وعدم تحديد الهدف.

ولكيلا يكون قولنا تجريدياً نقول إن العمل ما لم يكن منتجاً، له قيمة اقتصادية مضافة، وبالضرورة والتبعية قيم معنوية عديدة أهمها الإحساس بقيمة المواطن وبمعنى انتمائه للمؤسسة في النطاق الخاص وللوطن في النطاق العام.. إنه ما لم يحس المواطن بذلك إحساساً مباشراً في ذاته وفي بنية العمل والإنتاج، فإنه سيظل يستشعر إحساساً كدراً بالهوة اللامرئية، أي باللا جدوى والدوران في دولاب روتين الدوام بنشاط يستهلك الوقت والعمر، بعمل لا يلمس الواحد مؤشرات تحققه على الواقع مثلما هو مطروح نظرياً على الورق وفي المذكرات والاجتماعات وكل ما يُكتب أو يُقال حول هذا العمل أو ذاك، والشعور بأن كل شيء يسير بالدفع الذاتي بوجود المختص أو بوجود سواه طالما ما يتم هو إعادة إنتاج ذات الإجراء والسير على النسق ذاته في ضبابية لا تتيح فرز إيقاع العمل وجدواه وماهيته، ليس بالتوصيف والتعريف وإنما كإنجاز مادي له قيمة اقتصادية مباشرة ملموسة أو قيمة معرفية وعلمية مدركة تنتج اقتصاداً أيضا؟!

إن حالة أشبه بالعشوائية تغمر بيئة الأعمال فمعظمها خاضعة للاجتهادات التي لا تستقر على حال، لأنها تنطلق من الانطباع أو من التهيؤات الذاتية أو من الهوى الشخصي أو وجهة النظر البيروقراطية التي تختصر عقول المؤسسة بعقل مديرها أو حتى من نيّات صادقة طيبة أو مبادرة.. فرغم وجود أهداف نظرية وسياسات لكل مؤسسة واستراتيجيات وآليات تتاخمها فهناك في الوقت ذاته قدر واضح من عدم تحقق مستوى من الإنتاجية وإحساس بعطالة إجرائية وأخرى ذهنية وعدم استثمار محسوس للعلم والتأهيل.. وبالإجمال.. هنالك ما يشبه الطلاق المعنوي بين الوظيفة وبين الموظف، ما يجعل الأمر يبدو غير مفهوم حتى مع وجود متواتر لدورات التدريب ورفع الكفاءة والتأهيل وبرامج الجودة والنوعية إلى حد التخمة، فضلا عن سنوات التعليم في الجامعات والمعاهد والكليات.

إن علة هذا اللا فهم، أو هذا الغموض والتشوش والحيرة في عدم معرفة مصدر عدم الرضا عن العمل والإنتاجية ناجم عن غياب النموذج الاقتصادي في بيئة العمل الحكومي والخاص وفي الحراك الاجتماعي بشكل عام.. فغياب النموذج الاقتصادي الوطني عن الذهنية الاجتماعية العامة، وعدم تحديد خصائصه والمقومات، التي يستند إليها والمسارات، التي ينبغي أن يدرج عليها نحو أهدافه المُفترضة والمحدّدة مسبقاً، على مستوى صانعي القرار، وكذلك على المستوى المؤسسي العام والخاص هو ما يؤدي إلى هذا التشوش.. ما يقتضي بالضرورة أهمية تحشيد جموع المواطنين، أيا كان موقع الواحد منهم، حول مسارات اقتصادية محدّدة واضحة لهذا النموذج والوعي بها في المنطلقات والأسس وفي البرامج والمشاريع، كأجندة اقتصادية وطنية للعمل، تشكل خريطة طريق، يكون فيها هذا النموذج الاقتصادي واضحاً في أذهان الجميع لكي يصبح المواطن مهموماً بصناعة الاقتصاد بوعي، مدركاً أن تلك مسؤولية تشترط الالتزام الذاتي حيالها في العلم وفي العمل وفي السلوك العام.

إن النموذج الاقتصادي الوطني لا بد أن يتبلور كأجندة أو خريطة طريق وأن يشاع كخطة ثقافية اقتصادية يرى فيها المواطن موقعه منها ودوره فيها، سواء كان في قطاع خاص أو عام.. وسواء ما زال في قاعات الدرس المبكر أو في موقع العمل.. فمن الواضح أن الأنشطة والأعمال تتحرّك دون وجهة محدّدة تشخص إليها الأنظار.. وحتماً لا تعني الوجهة مجالاً بعينه، وإنما الأهداف الوطنية الكبرى للاقتصاد الوطني.. فليس في إمكان الأفراد أن يخمنوا جدوى العمل أو الاستثمار ما لم توضع أمامهم خريطة طريق هذا النموذج الاقتصادي، الذي تعمل بموجبه الدولة كقائد للاقتصاد الوطني، وأن يكون هذا النموذج مطروحاً مبلوراً بوضوح، معتمداً في مجريات الأعمال على مستوى أجهزة الدولة.. وحينئذ.. فإن الحاسة الاجتماعية حتماً ستستجيب وتندمج وتتفاعل مع هذا النموذج عندما يترجمه المسؤولون بالذات إلى قرارات فعلية في الصناعة والتقنية أو في غيرها من قواعد إنتاج الاقتصاد الحقيقي الفعلي في جميع الأعمال والمشاريع والبرامج وكذلك في منشآت القطاع الخاص.

بروز النموذج الاقتصادي وتبلوره وتنفيذه مع طرحه وتوضيحه وتقريبه للرأي العام سيكون البوصلة أو القدوة ومحط الاحتذاء، فمعه سيحرص المواطن على استثمار هذا الموقع فيه أو ذاك بهذا النشاط أو ذلك، وبالتالي فالقوى البشرية بالإجمال ستبدأ في ضوئه في صياغة علاقتها مع الاقتصاد بالعمل المنتج، الذي يُفترض أن النموذج يقوده ويشير إليه ليس نظرياً، وإنما كذلك - وهو الأهم - في بنية الفعاليات الاقتصادية على الأرض حيّة معاشة أو في طريقها لأن تعاش.

إن هذا النموذج الاقتصادي الوطني، حين يتموضع في المشهد التنموي وفي الذهنية الاجتماعية بشكل عام سيؤدي إلى ردم تلك الهوة بين القوى البشرية الوطنية والعمل.. وهو ما أشرنا إليه بـ ''التجسير'' في مستهل هذه الكلمة.. إنه ليس ترياق مصالحة الوظيفة مع شاغلها فقط، وإنما كذلك مصالحة المستثمر مع مبادرات جسورة نوعية للاستثمار والتقنية مع توطينها واستنباتها والسعودة مع نفسها (العمل مع قوى الإنتاج)، لكي يتحقق الإنتاج الفعلي والتشغيل الكلي، وبالتالي تحقيق الذات الخاصة والعامة مصدر الشعور بالرضا، الذي يشيع مهابة تنموية للوطن معنى كريماً مبهجاً للحياة.. وما دام الأمر كذلك.. ألا يستحق هذا النموذج من راسمي السياسات الاقتصادية أن يقولوا لنا ما هو هذا النموذج لكي يتم السير معه في الاتجاه الصحيح؟!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية