الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 3 يوليو 2026 | 17 مُحَرَّم 1448
Logo

تفاعلا مع تقرير "الاقتصادية" المنشور في 18 كانون الثاني (يناير) حول تصريح بعض المختصين بوجود محاذير شرعية وائتمانية في صكوك "الطيران المدني" وإيمانا بالنصيحة التي وجهها البنك الذي أدار عملية الاكتتاب والمذكورة في نشرة الإصدار والمتعلقة باستشارة الفقهاء الشرعيين والقانونيين حول الأمور التي تتعلق بالهيكلة، نقدم في هذه الزاوية هذا التحليل المتعمق حول الهندسة المالية المعقدة لأول سندات سيادية لبلادنا بعد أن تم الاطلاع على نشرة الإصدار.

في البداية علينا أن نشير إلى أن الغرض من هذا الإصدار (البالغ 15 مليار ريال) هو تغطية تكاليف بناء مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة.

وذكر في نشرة الإصدار، التي بلغ عدد صفحاتها 74، أن مجموعة بن لادن ستكون مسؤولة عن عملية البناء هذه المتعلقة بالمطار الجديد.

ويندرج هذا المشروع تحت مظلة المشاريع التي تعرف عند المصرفيين الاستثماريين بمشاريع "تسليم المفتاح" (Turn-Key) والذي سيسلم مفاتيح المطار الجديد هنا هي مجموعة بن لادن.

#2#

الهيكلة

أصبح من المتعارف عليه في منطقة الخليج أن تقوم البنوك الإستثمارية بتعقيد الهيكلة بحيث يصعب فهمها.

حتى شركات التصنيف الائتماني أبدت انزعاجها لدرجة أنها أصبحت تطالب برسوم أكثر لقاء الوقت الإضافي الذي يمضونه من أجل استيعاب الهيكلة بشكل كامل.

وبخلاف الصكوك الآسيوية التي تكون هياكلها في غاية الشفافية، تحاول البنوك في منطقتنا تعقيد الهيكلة عبر إخفاء جزء من عوالمها وذلك خوفا من أن يتم استنساخها من قبل المنافسين.

وسأحاول في هذا التحليل ملء بعض هذه الفجوات التي تدور حول الهندسة المالية لصكوك الطيران المدني وذلك عبر "تفكيك" الهيكلة من أجل تبسيط فهمها على المصرفيين وطلاب العلم.

ويتضح من تحليل أصول الصكوك أن الهيكلة ليست قائمة على هيكل واحد كما تم الترويج له في وسائل الإعلام, فمحفظة الصكوك هذه قائمة على عقد "المضاربة (51 في المائة) والمرابحة (49 في المائة).

وهناك حكمه من جعل أصول المرابحة تصل إلى هذه النسبة وسوف أرجع إلى ذلك لاحقا. ما يمكن قوله عن "اتفاقية المرابحة" إن نسبة العائد مرتفعة جدا وتصل إلى 12 في المائة سنويا.

أما فيما يتعلق بالجانب الشرعي لما يمكن أن يوصف بشكلية "المرابحة" فإن أقصى ما يمكنني قوله هنا هي أن "الأشياء ليست كما تبدو". ومع هذا ستكون لنا عودة قريبة حول هذه النقطة الجدلية.

محفظة الصكوك

بخلاف الهياكل التقليدية، تتوزع أصول الصكوك على: 1) الأصول التي تم شراؤها بعقد المضاربة. 2) اتفاقية المرابحة. 3) الفوائض الزائدة الموجودة في "صندوق الاحتياطات". 4) أرباح الاستثمارات القادمة من "المرابحة". ما يهمنا هنا هي الأصول التي تم شراؤها من هيئة الطيران المدني لصالح حملة الصكوك مقابل عقد المضاربة.

فبموجب هذه الهيكلة يحق لحملة الصكوك الحصول على الرسوم التي تدفعها الطائرات لقاء 1) هبوطها على المطارات الثلاثة التي سيتم ذكرها بعد قليل.

2) وكذلك الرسوم التي يتم دفعها لقاء استخدام مواقف الطائرات في المطارات الثلاثة وهي 1) مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، 2) مطار الملك فهد الدولي بالدمام، 3) مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

وهذه الهيكلة متشابهة تماما مع صكوك الإجارة القائمة على "انتفاع" حملة السندات من التدفقات النقدية القادمة مع الأصول. إلا أنه وبعد قراءة متعمقة لنشرة الإصدار يتضح أنه تم هندستها ماليا لتصبح قائمة على عقد "المضاربة". والمضاربة عبارة عن شراكة في المال بين "رب المال" والعمل من جانب "المضارب". وبعد تمعن طويل اتضح لي أن هيئة الطيران المدني هي المضارب هنا. وسيكون لها نسبة من الأرباح لقاء خبرتها الإدارية في إدارة هذه الأصول.

وبخلاف الدفعات الدورية لصكوك الشركات التي تراوح فيه نسبة الدفعات السنوية ما بين 4 في المائة إلى 5 في المائة وفقا للجدارة الائتمانية، فإن صكوك "الطيران المدني", ونظرا لأننا نتحدث عن إصدار سيادي منخفض الخطورة, فإن نسبة الدفعات الدورية لحملة الصكوك بشكل سنوي تصل إلى 2.5 في المائة وفقا لما تم الإعلان عنه.

استخدام الفائض

وجرت العادة مع الهياكل الهندسية للصكوك أن يتم استخدام "حساب احتياطي" وذلك بغرض حماية حملة الصكوك من التقلبات التي قد يواجهونها من جراء انخفاض التدفقات النقدية القادمة من أصول الصكوك.

ولتلافي ذلك يحسب للبنك الاستثماري الذي قام بالهيكلة قيامه باستخدام "استثمارات المرابحة" من أجل تعويض حملة الصكوك من أي نقص يتعرضون له خلال التوزيعات الدورية أو حين موعد إطفاء هذه الصكوك بعد مرور عشر سنوات من تاريخ إصدارها. أما اللافت للنظر في هذه الهيكلة فهو الترجيح المحتمل لحصول جهة الإصدار على "الفائض" الذي تراكم من الأصول القادمة من الصكوك.

ولهذا كُتب في نشرة الإصدار، وعلى قبيل المجاملة على الأرجح، أن الفائض هو تابع لحملة الصكوك إلا في حالة اتفاقهم على التنازل عنه لجهة الإصدار (أي هيئة الطيران المدني) لقاء ادارتها لهذه الأصول. وفي جانب آخر من نشرة الإصدار (الصفحة الثالثة) تم ذكر أن الفائض سيرجع بالكامل لجهة الإصدار (من دون حتى استشارة حملة الصكوك).

ما الموقف الشرعي من «الضمان» السيادي؟

لعل ما سبب أزمة الصكوك في أواخر 2007 هي اتفاقية "إعادة الشراء" لأصول صكوك المشاركة والمضاربة وكون 85 في المائة من هذه الهياكل غير متطابقة مع الشريعة.

وكان الشيخ محمد تقي عثماني يخشى عندما أطلق هذا التصريح أن ينتهي المطاف بسوق السندات الإسلامية لأن يصبح مثل السندات التقليدية من حيث "ضمان" استلام حملة الأوراق المالية القيمة الأصلية لاستثماراتهم من دون تقاسمهم للمخاطر التي قد تأتي مع هذه الاستثمارات.

فهل يعني الضمان السيادي الذي قدمته وزارة المالية أن صكوك "الطيران المدني" أصبحت مخالفة للشريعة؟ الإجابة عن ذلك، في رأيي الشخصي، هي بالنفي.

فهذا النوع من الضمانات يعرف بضمان "الطرف الثالث" وهو جائز. فحملة الصكوك يعرفون أن هيئة الطيران المدني لم تتعهد لهم بأي أصول كضمانات في حال تعثرت هذه الصكوك.

بل اعتمدت الهيئة على اتفاقية الدعم الائتمانية التي وقعتها مع وزارة المالية والتي ستضمن بموجبها الالتزامات المالية المرتبطة من عقد المضاربة والمرابحة.

وهناك فتوى صادرة من مجمع الفقه الإسلامي الدولي والتي تنص بأنه ليس هناك ما يمنع شرعا من النص في نشرة الإصدار على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين، على أن يكون التزاما مستقلا عن عقد المضاربة، بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطا في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو عامل المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به، بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد.

ما مخاطر الإدراج الثانوي؟

بحسب نشرة الإصدار فإنه ينتظر تسجيل الصكوك لدى تداول، الأمر الذي يعني أنه سيتم تداولها.

فالبنسبة للمخاطر الشرعية المتعلقة بتداول الدين فقد تم التحدث عنها بإسهاب في مقال الأسبوع الماضي وتم إيضاح المخرج الشرعي الذي تم تطبيقه مع صكوك "الطيران المدني".

فهذه الصكوك جائز تداولها نظرا لأن أصول المرابحة تشكل نسبة "قليلة" من النسبة الإجمالية للأصول التي ارتكزت عليها عملية الإصدار.

ما يهمنا هنا هو ما تم ذكره في نشرة الإصدار والذي أشبه بالاعتراف بأن السعودية لا تملك سوقا ثانوية متينة ذات عمق.

وتبع ذلك تحذير مبطن بأن أي عملية بيع في السوق الثانوية قد تكون بسعر منخفض مقارنة بالسعر الأصلي (وهو مليون ريال للصك الواحد).

وأرجعت نشرة الإصدار ذلك إلى عدم وجود سيولة في هذا السوق وكون هذه السوق الثانوية مقتصرة فقط على من وصفتهم بالأشخاص "المؤهلين" (أي المستثمرين المؤسسيين).

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن معظم المستثمرين سيطبقون منهجية الاستثمار طويل الأجل المعروفة بـ(Buy & Hold) .

أي أنهم سيحتفظون بهذه الصكوك في دفاترهم إلى أن يحين موعد إطفائها بعد عشر سنوات من تاريخ إصدارها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية