مضى على وجود سوق المال السعودية قرابة ربع قرن، منذ كانت لجنة وزارية للرقابة على الأسهم في كنف وزارة المالية ومتابعة من قبل مؤسسة النقد إلى أن تم إنشاء هيئة سوق المال عام 2003، وفي غمار المتغيرات التنموية في المملكة وطوال هذه المدة لم يتميز حضورها إلا قرابة عامين قبل انهيارها الرهيب في شباط (فبراير) الأسود عام 2006.
ورغم أن المملكة ظلت تعيش حراكا تنمويا في المنشآت وفي النظم واللوائح والتشريعات وفي المؤسسات والهيئات الاستثمارية والاقتصادية والخدمية، وأن هذا الحراك التنموي تصاعد مع الطفرة التي تشهدها المملكة منذ عشر سنوات، ورغم.. إدراج عدد من الشركات في السوق، ورغم الدعم اللوجستي من قبل الدولة للهيئة إداريا ونظاميا وإنشائيا، فضلا عن القوى البشرية.. ورغم.. ورغم.. فما زالت سوقنا المالية ''في وضع حرج.. فبعد أن خسر مئات الآلاف من المواطنين أموالهم بطرفة عين في ذلك الانهيار ''حرن'' مؤشر السوق بعد تهاويه المدوي وبقي مرتعشا عند مستوى أقل من ثلث الأوج الذي بلغه قبل أن تقع فأسه في الرؤوس.
هنا.. لا بد لنا أن نسأل: أين مكمن الخلل، هل هي السوق نفسها أم الهيئة؟ لكن.. هل يمكن اللف والدوران حول السؤال بإحالة الأزمة إما للسوق أو للهيئة؛ إذ لا جدال في أن ذلك مجرد هروب للأمام.. لأن كليهما يتطابقان بالزوايا والأضلاع المتقابلة طالما أن الهيئة يفترض فيها أن تكون رقابية فحسب، بينما هي - كما يظهر - تهيمن على (تداول) أو البورصة التي يفترض أنها تأخذ مقابل خدماتها كل ما يتعلق بخطوات الإدراج.. ولأنه ما من سوق معلقة في الهواء فإنه لا هيئة إذا تسبح فوق السحاب إلا إذا كان بريق الرخام وأضواء المصابيح ولمعان المكاتب الفاخرة والوظائف من فئة خمس نجوم ورنين المليارات تفعل فعلها فترفع الرؤوس فلا ترى الهيئة عملها إلا وهج شموس المجرات!
إن جهاز الهيئة الإداري المندمج بتداول السوق ليس صنوين، بل متطابقان، كما قلنا، فهما الشيء نفسه تماما وإن اختلف الحيز والمجال، وبالتالي فالعلة كامنة في خلل إداري يكتنف أداء الهيئة فيؤثر سلبيا على السوق نفسها.. ولسنا وحدنا من يرى هذه الحقيقة المؤسية، فهناك الجمهور الغفير من المواطنين في طول البلاد وعرضها، وهناك محللون ماليون وخبراء اقتصاد يؤكدون أن السوق المالية تتطلب عديدا من الإصلاحات في الأنظمة والقوانين التي نجم عنها هجرة الأموال والمستثمرين واحتراق المحافظ.. وهناك علاوات الإصدار التي لا يُقال للمتداول كيف تتم وأين تذهب؟ ومتى تكون للمُلاك؟ ومتى تكون للشركة، وهناك مضاربات، أبرزها في قطاع التأمين، وهناك سيطرة شركات الوساطة التابعة للبنوك، ومجالس إدارات تعين بنفسها مراقب الحسابات لشركاتها وتحدد أتعابه، وهناك ضبابية الإشراف على الجمعيات العمومية وعشوائية الموافقة على زيادة رأس المال لشركات خاسرة فيما لا حماية للشركات الجديدة من المنافسة غير العادلة وغير القانونية واضطرارها للانسحاب من السوق، وهناك استمرار ترك المتداولين في فقر معلوماتي وتعتيم دائمين، فلا وجود لدراسات وبحوث تقوم بها الهيئة مدعمة بالبيانات وبالمؤشرات الرقمية والمقاييس الكمية التي تتيح للمتداولين درجة من الشفافية عن وضع السوق وتتيح للهيئة نفسها قياس درجة الشفافية فيما يعج به من مضاربات لا تفسير لها إلا بالاستسلام لها!
فوق ذلك كله تبدو الهيئة وكأنها تحولت إلى دائرة ''جباية'' على كل ما تقوم به أو يطلب إليها، مع أنه من مهامها وأنشئت أساسا من أجله، كالتراخيص، والحوكمة، ودراسة الجدوى وغيرها، مع وضع الجميع أمام الأمر الواقع والرضوخ لحجم ''الجباية'' بالسقف الذي تحدده (وهو بالألوف) دون مناقشة ودون إعلان المعايير التي استندت إليها في تقييم مقدار ''الرسوم'' وتوضيحها ونشرها وتعميمها.
ألا يعني، ما دام الأمر كذلك، وهو كذلك بالفعل (!!)، أن الحاجة ماسة إلى إعادة الثقة بالسوق للتداول ولجم تخبط المؤشر وتوضيح علة ما يحدث كي تعود الأموال.. وأن ذلك مرتبط بوجود محاكمات عادلة وشفافية في التعامل''. بل كبح تدفق المعوقات التي تؤدي إلى ضياع حقوق المساهمين، فما زالت مستويات الإفصاح والشفافية هشة ضعيفة، وما زالت التحقيقات غائمة حول المضاربين الموقوفين، دون إيضاح التفاصيل، فيما تجد الغرامات المجزية طريقها بيسر وسهولة لصالح هيئة سوق المال، بينما لا يحصل المتضررون على تعويض، بل لا تكلف الهيئة نفسها مهمة تحديد وقت التلاعب من واقع البيانات والمعلومات وتحديد الأشخاص المتضررين وتعويضهم عن خسارة حققتها محفظة كبيرة مثلا!
من ناحية أخرى، لا تبدو هيئة سوق المال في وارد مراقبة الشركات المتداولة مراقبة دقيقة، فما زال بعض مجالس الإدارات في بعض الشركات محتكرة للأقارب والمعارف دون تأكد الهيئة من أهلية المجلس بالشكل المطلوب؛ في الوقت الذي يتم فيه إهمال المساهم وعدم تبليغه بالبيانات الجديدة التي تساعده على اتخاذ القرار، ولا يتم تقييم الإدارات من خلال الخطط المعلنة ومدى التزام تلك الإدارات بتنفيذ المشاريع المطروحة في القوائم المالية وشرح الخطط والمشاريع المستقبلية؛ حتى تتم المحاسبة، فضلا عن أن هناك مشاكل داخلية في عديد من الشركات لا يعلم المساهمون عنها شيئاً إلا حين يطفح الكيل!
هذا غيض من فيض حديث طويل ذي شجون على مستوى النخبة وأهل الاختصاص وعلى مستوى عموم المواطنين الذين اعتمدوا على أن هيئة سوق المال محل الثقة، وأنها حارس يقظ بالعلم والمعرفة والقانون وبكفاءة الأداء بحس المسؤولية العالية وبرسم الضمير الصادق العادل على أموال اقترضها البعض أو استلفها أو باع لتدبيرها ما كان يملكه أو جمعها بشق النفس قرشا أبيض ليوم أسود لم يتخيله بذاك السواد الكالح الذي غشيه يوم الانهيار الرهيب في 2006 وما زال بسببه وبعده يلعق جراحه.
لقد ظلت سوق المال السعودية من حيث بنيتها الفنية والوظيفية والحقوقية تتداخل فيها مهام الرقابة مع الجباية وتصفر فيها رياح الشائعات مرتدة إلى أرجاء البلاد.. ولم يجد الناس تفسيراً لظاهرة تحول السوق إلى ما يشبه الثقب الأسود.. الداخل ''مفقود'' والخارج ''ملهود'' فكيف يُراد للاستثمار الوطني الذي لم يتوطن فيها أن يغري بجذب الاستثمار الأجنبي؟ إنه ''لغز'' لا نملك الإجابة عنه، بل نترك لهيئة سوق المال حله، لكننا، نسألها الرفق بنا فلا تغرمنا، إن هي حلته، قيمة جائزة ثمينة فوق ما غرمناه!
