إن الأخبار الجيدة لا تبيع الجرائد فحسب، بل إنها أصعب للتصديق أيضا. إن ردة الفعل على كتاب ستيفن بينكر الجديد العظيم ''ملائكة أفضل لطبيعتنا'' هي مثال محدد على ذلك.
لقد أظهر بينكر في كتابه الذي يتألف من 800 صفحة من الكلام الموثق والذي تم طرحه بعناية أنه على مر التاريخ حصل انخفاض دراماتيكي في العنف سواء محليا ودوليا، وإن هذا الاتجاه النزولي مستمر في سنوات ما بعد الحرب الباردة. لكن ردة فعل العديد من النقاد لعمل بينكر اتسمت بعدم الفهم أو الإنكار أو التركيز الكبير على قصص مروعة فردية وكأنها بطريقة أو بأخرى تغير الصورة الأعم والأشمل.
إن العديدين سيصعب عليهم أيضا تقبل فكرة أنه عندما يتعلق الأمر بأكثر فصول العنف ترويعا للضمير الإنساني - الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والانتهاكات الجماعية - فإنه قد تم إحراز تقدم دراماتيكي أخيرا. إن هذه المكاسب بلغت ذروتها في التدخلات والتي لم يكن أحد ليتصورها قبل عقد واحد والتي قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإجراء تفويض بشأنها هذا العام من أجل منع حدوث كوارث في مجال حقوق الإنسان في ساحل العاج وليبيا. إن إحراز تقدم في هذا الخصوص يعني أنه لم يعد من الخيال أن يأمل المرء أن أحداث مثل المحرقة النازية وكمبوديا ورواندا وسربرينشيا لن تحدث مرة أخرى.
لقد مرت عشر سنوات منذ أن قامت لجنة دولية كنت أنا رئيسها المشارك بإطلاق مفهوم مسؤولية الحماية وست سنوات منذ أن قام أكثر من 150 رئيس دولة وحكومة بالمصادقة عليه خلال القمة العالمية للأمم المتحدة سنة 2005. إن الفكرة الرئيسة كانت بسيطة: توقفوا عن الجدل المتعلق ''بحق التدخل'' والذي يؤدي في نهاية المطاف إلى ردة فعل قوية وتحدثوا عوضا عن ذلك عن ''المسؤولية'' - ليس فقط مسؤولية كل دولة عن حماية مواطنيها من الانتهاكات بل أيضا مسؤولية المجتمع الدولي بشكل عام في التصرف لو كانت الدولة غير قادرة أو غير راغبة بعمل ذلك.
إن من الواضح طبقا للمفهوم الجديد بأن العمل الدولي الحمائي يعني الإجبار العسكري فقط في الحالات القصوى والتي لا يمكن تجنبها. إن التسلسل الاعتيادي هو المساعدة والإقناع والضغط غير العسكري مثل العقوبات والملاحقة الجنائية.
لقد كان من الممكن لبعض الوقت بعد سنة 2005 القول إن كل هذا الكلام هو كلام في الهواء وإن ردة الفعل السريعة والحاسمة من أجل الاستجابة لانتهاكات الإبادة الجماعية ستبقى مستبعدة كما هو الحال دائما. لقد بقي هذا التشكك حتى بعد ما حصل في كينيا في أوائل سنة 2008 عندما كان ينظر على نطاق واسع إلى العنف الرهيب في فترة ما بعد الانتخابات كمسألة حق حماية، حيث قام الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان بقيادة مهمة دبلوماسية ناجحة لإقناع قادة المجموعات العرقية بتهدئة العاصفة.
لكن حق الحماية بلغ مرحلة النضج فعلا في ساحل العاج وفي ليبيا على وجه الخصوص في وقت سابق من هذا العام. إن قراري مجلس الأمن المتعلقين بليبيا في شباط (فبراير) وآذار (مارس) يعتبران من الأمثلة الجيدة على ردة الفعل على مراحل فيما يتعلق بوضع يسوء بشكل متزايد. إن اللجوء إلى حق الحماية يعني أن الرد بدأ بإنذار وتهديد بالعقوبات والملاحقة في المحكمة الجنائية الدولية وفقط لاحقا لذلك تم السماح للقوة العسكرية بحماية المدنيين. إن التهديد كان فعالا وردة الفعل - بالنسبة لإنقاذ حياة آلاف الأرواح - كانت فعالة بحق.
إن من الأهمية بمكان في هذا السياق أن يستمر المدافعون عن حق الحماية بالتأكيد على أنه يمكن التفكير بالقوة العسكرية القسرية فقط في أقصى الحالات وفي ظل ظروف استثنائية. إن أفضل طريقة لطرح هذه النقطة هو إعادة إحياء الجدل الساكن والمتعلق بتبني مبادئ توجيهية محددة تتعلق بالتدخل العسكري طبقا لتوصيات المفوضية التي كنت أعمل لديها وتوصيات كوفي عنان، وذلك قبل تصويت الأمم المتحدة سنة 2005. إن وجود معايير واضحة مثل ''الحل الأخير'' و''التناسب'' و''توازن العواقب'' سيجعل من الصعوبة بمكان استخدام تكتيكات مضللة وساخرة في مجلس الأمن وأماكن أخرى.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: بروجيكت سنديكت، 2011
