حادثة تسرب الغاز في صناعية الدمام .. القديم ما زال جديدا؟

د. سليمان المشعل
dr_suliman_almeshal
تابع الجميع، خصوصا سكان المنطقة الشرقية، حادثة تسرب غاز الأيبوكسي من إحدى الشركات الصناعية المختصة بإنتاج المواد العازلة لأسلاك الكهرباء الموجودة في المدينة الصناعية الأولى في الدمام داخل النطاق العمراني على طريق الدمام - الخبر السريع، حيث تشير المصادر الرسمية إلى تأثر ما يقارب 28 حالة مرضية عانت استنشاق هذا الغاز، الذي تظهر خطورته في حدوث تهيجات في العين أو الجلد أو الجهاز التنفسي، كما تؤدي كذلك إلى نوع من التحسس لدى مرضى الحساسية والربو الشعبي، وتتفاوت الحالات حسب القرب من مصدر التسرب. وقفة قصيرة مع بعض ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية من الأخبار والتصريحات الموثقة عن هذه الحادثة: ''حذر خبراء بيئيون من تكرار حادثة تسرب الغازات من الصناعية الأولى في الدمام، مطالبين في الوقت نفسه بحل جذري وسريع لنقل المدينة خارج النطاق العمراني''، ''أشار المتحدث الإعلامي للرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة إلى أن النتائج الأولية للحادث تشير إلى وجود خلل في صمامات خزان المصنع أدى إلى تسرب الغازات، وأنه عند تمكن الجهات المعنية من السيطرة عليه فإن المشكلة الكبيرة تكون قد انتهت''، ''توقف 250 مصنعا عن الإنتاج والخسائر بمئات الملايين''، ''الأرصاد: تعامل الشركة مع الحادثة غير متخصص''، ''خبراء بيئة: يجب إيجاد خطط طوارئ معروفة في المدن الصناعية''، ''طالبت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في المنطقة الشرقية وزارة التجارة والصناعة وهيئة المدن الصناعية بسرعة اتخاذ قرار نقل مصانع المدينة الصناعية الأولى في الدمام من وسط الأحياء''. هل تعلم عزيزي القارئ أن المدينة الصناعية الأولى في الدمام تم تأسيسها عام 1393 هجري؟ وهل تعلم أن عدد العمال في هذه المدينة يبلغ نحو 18 ألف عامل؟ وهل تعلم أن عدد الأحياء المتضررة من هذه الحادثة بلغ 16 حيا سكنيا؟ وهل تعلم أنه تم تسجيل حوادث حرائق في المدينة الصناعية نفسها في 17 حزيران (يونيو) من عام 2011 وكذلك في 9 نيسان (أبريل) من عام 2009؟ أما المختصون والمتابعون في مجال البيئة في المملكة فمشاركتهم كانت من خلال فقرة جديدة وموثقة بعنوان ''لا أعلم'' حول تداعيات هذه الحادثة، لكن على طريقتهم الخاصة: لا أعلم حتى تاريخه لماذا ما زالت المدينة الصناعية الأولى في الدمام في موقعها داخل النطاق العمراني؟ لا أعلم لماذا ما زالت الرقابة والمتابعة على نوعية وجودة دراسات التقييم البيئي للمنشآت الصناعية والبتروكيماوية دون المستوى المطلوب؟ لا أعلم لماذا هناك نقص في عدد ونوعية الكفاءات والأجهزة المستخدمة في جولات التفتيش الميدانية على المصانع والمدن الصناعية في المنطقة؟ لا أعلم لماذا تتسابق بعض المنظومات الحكومية ذات العلاقة بالتصريحات الإعلامية بعد فترة طويلة من الغياب؟ .. وأخيرا التساؤل الكبير وبعد فترة طويلة من الانتظار (لا أعلم لماذا لم يلمس الفرد والمجتمع في المنطقة الفائدة العلمية والتهيئة المهنية والتثقيفية المفترضة من مركز دراسات الرصد والتقييم للآثار البيئية على الصحة العامة ''الموجود في مبنى فرع الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة في الشرقية، الذي تم تأسيسه في شهر شوال من عام 1424 هجري)؟ التوجهات والتطلعات للدولة والمجتمع والمواطن في المحافظة على الصحة العامة من الملوثات والمخاطر البيئية وتوافر الأمان والرخاء هي في واقع الحال تنشد وتبحث عن تكاتف الجهود والتعاون والمشاركة والمساهمة العملية الفاعلة بروح وعقلية المواطنة والمسؤولية الجماعية التي لا تسمح بهذا الهامش الواسع من الحلول والمعالجة المؤقتة عند حدوث مثل هذه التسربات أو الحرائق أو محاولة صرف الأنظار أو تبادل الأدوار والاتهامات بعيدا عن تشخيص هذه المشكلات والأخطاء القديمة المتجددة ومعالجتها من جذورها، التي ما زالت تراوح مكانها منذ فترة ليست بالقصيرة، كما لا يمكن لكل غيور ومواطن أن يراهن على نجاح الرغبة الجادة في التطوير والتنمية والعطاء في المملكة، وما تحمله بشائر الخير بين الفينة والأخرى من مشاريع وخطط استراتيجية لمصلحة وخدمة الوطن في ظل '' تأثر صحة وبيئة الإنسان وجاهزيته للإنتاج''، الذي هو المعني في الأصل بناتج وفائدة هذه الخدمات ويحلم بالوجود العملي في فكر ونهج التنمية الشاملة والمستدامة. إن الحديث عن واقع - تهيئة المفهوم والثقافة للفرد والمجتمع، مراكز الأبحاث والدراسات البيئية، توافر الكفاءات الوطنية المختصة العاملة والتخطيط والتصميم البيئي للمنشآت الصناعية، الربط الإلكتروني للقطاعات الحكومية ذات العلاقة وتوحيد خطط الطوارئ والكوارث، استخدام التطبيقات العلمية لبعض التقنيات والعلوم، والتوسع في التجهيزات والمعدات والقوى العاملة، عدم التشجيع والتعاون مع الشركات والمؤسسات البيئية الاستشارية والتركيز على الشركات والخبرات الغربية، حديث ذو شجون ينتظر ويأمل إعادة النظر والتقييم العاجل قبل أن تحدث - لا سمح الله - كارثة بيئية وصحية يصعب حينها التعامل معها وفقا لهذه المعطيات الراهنة .. اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد. وما حبك الأوطان دمعاً تريقه وتشتاق داراً أو جداراً مهدما ولكنه أن تجهد النفس مساعيا لتلبسها ثوباً من المجد معلما
إنشرها