المواطنة.. منهج وسلوك

مفهوم المواطنة لا شك أنه من القضايا المهمة التي تؤطر للعلاقة بين مختلف فئات المجتمع وشرائحه، وتضع تصورا لمجموعة من الحقوق والواجبات والالتزامات لكل فرد من أفراد المجتمع. لا شك أن الوطن يمثل جزءا من شخصية الفرد، فهو يمثل جزءا من الانتماء والفكر والثقافة والتقاليد، فهو مؤثر بشكل كبير في مسيرة الفرد وحياته، وهو أمر قد تتمايز به الشعوب، فالموطن قد ينعكس بشكل كبير على سلوك الفرد وطبيعة علاقته بالآخرين قربا وبعدا من هذا الوطن. وفي ورقة أعدها الدكتور علي الكواري، تتعلق بمفهوم المواطنة، توصل إلى أن المواطنة مفهوم يتطلب إقرار مبادئ والتزام بمؤسسات وتوظيف أدوات وآليات، تضمن تطبيقه على أرض الواقع. وعرض المؤلف إلى أن هناك بعض المرونة في التعبير عن متطلبات المواطنة، أخذا في الاعتبار قيم الحضارات وعقائد المجتمعات، إلا أن هذه العناصر والمرونة لا يجوز أن تصل إلى حد الإخلال بمتطلبات مراعاة مبدأ المواطنة. وتطرق الكواري إلى دراسة حول مقومات المواطنة تتلخص في أن المواطنة تجسيد لنوع من الشعب، يتكون من مواطنين يحترم كل فرد منهم الفرد الآخر، ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع الذي يزخر به المجتمع. ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات ... إلخ. هذه واحدة من الدراسات الكثيرة التي تطرقت إلى مفهوم المواطنة، التي يمكن للمراقب أن يجد من خلال سلوك الأفراد في المجتمع استيعاب مفهوم المواطنة وتطبيقه من عدمه في المجتمع، حيث نجد عند كثير من الأفراد أن الانتماءات سواء القبلية أو العائلية أو المناطقية أو حتى المدن - من غير تقليل من أهميتها – تجسيد قد يكون مبالغا فيه في إبراز جانب الانتماء له، رغم أن ما يحصل عليه المواطن من فرص وامتيازات ليست غالبا مرتبطة بالانتماءات السابقة. فعلى سبيل المثال ستجد أن ما ننعم به من ثروة واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، ليس مرتبطا بشكل مباشر بهذه الانتماءات، بل ستجد في الغالب أنها مرتبطة بعموم الوطن، ولذلك تجد أنه في المدن والمناطق المحاذية لحدود دول أخرى نجد أن هناك مشاركة في مجموعة من الانتماءات مع المناطق المحاذية في تلك الدول، لكن المواطنة أوجدت الفرق الواضح في الفرص التي يتمتع بها المواطن. وهذا يجعل من الأهمية بمكان الاهتمام بمفهوم المواطنة كعامل مشترك ليس لتعزيز شكل آخر من أشكال العصبية، لكن في ممارسة أكثر رشدا في مسألة الحقوق والواجبات والمسؤوليات التي تقع على عاتق كل مواطن، ولذلك لا بد من تقييم هذه المواطنة من خلال ممارسات أبناء الوطن، ومن خلال الأمثلة قد تتضح لنا طريقة التقييم، فمن ذلك: أولا: مدى الالتزام بالأنظمة والتشريعات من خلال محافظة الفرد على الالتزام، والحرص على تقويم المجتمع للالتزام بها من غير تمييز بين أي شخص وآخر، بناء على المرجعية التشريعية وهي الشريعة الإسلامية. ثانيا: مدى التزام المجتمع بالأنظمة المرورية بما يحقق المصلحة العامة، ويحفظ الأرواح والممتلكات، وأن يسعى المواطن والجهات ذات العلاقة إلى تحقيق هذا الالتزام، من خلال التعاون المشترك فيما بينها. ثالثا: أن يعمل الموظف والمسؤول في أي جهة أو إدارة على تقديم ما يجب عليه نظاما لتقديم الخدمة التي يحتاج إليها الوطن والمواطن بناء على أن هذا واجب تحتمه عليه طبيعة عمله ومقابل ما يحصل عليه من عائد مادي أو معنوي، دون التفريق بين مواطن وآخر، ودون تهاون أو مماطلة. رابعا: المحافظة على الممتلكات والأموال العامة التي تقدم للمواطنين، والعناية بها من قبل المواطن والمسؤول بحيث لا يساء استخدامها أو التهاون في العناية بها بشكل مستمر، بما يحقق تقديم الحد المناسب من الخدمة وتوفير الاحتياج. خامسا: الشعور بالمسؤولية تجاه ما يحصل عليه المواطن من تعليم وعلاج وخدمات وغيرها، تتطلب منه أن يمارس المواطنة وخدمة الوطن بشكل إيجابي، ويحرص على الاستفادة الكاملة والمرشدة لهذه الخدمات بما يعود بالأثر الإيجابي للوطن والمواطن. سادسا: العمل والانتماء والشعور الجماعي بما يحقق المصلحة العامة للمجتمع، من خلال تعزيز العمل التطوعي لخدمة المجتمع، والترشيد في الاستهلاك سواء للطاقة أو المياه أو الخدمات، بما ييسر استفادة الجميع من هذه الخدمات بالصورة المثلى، إضافة إلى المحافظة على البيئة، بما يحقق حياة أفضل للأجيال القادمة. الخلاصة أن الوطن والمواطن والمواطنة عبارة عن كلمات لها مدلولات تتطلب من المجتمع العناية والاهتمام بتطبيقها للوصول إلى حياة أفضل، ولتحقيق مبادئ أساسية للمواطن تتعلق بالحقوق والواجبات والالتزامات التي سنجد أن تحقيقها سيؤدي إلى مزيد من الرفاهية في المجتمع وانتظام في الحياة بما يحقق المصلحة العامة، وتعزيز تحقيق الكرامة الإنسانية في المجتمع، وحياة أفضل للأجيال القادمة. وهذا يتطلب معرفة بمفهوم المواطنة وممارسته كسلوك في المجتمع.
إنشرها