نحن مجتمع تطغى عليه القيم الاجتماعية أكثر من رسوخ القيم الإسلامية أو القيم الإنسانية. هذا أمر مشاهد وممارس من قبل الأغلبية العظمى من أفراد المجتمع. فنحن على سبيل المثال نأخذ حسابا لرد فعل المجتمع. ولذا نلف وندور كي لا نثير الآخرين، وكل ذلك على حساب الحق ومبادئه. هذه الظاهرة يمكن مشاهدتها بوضوح عندما نسمع ونرى ونعلم كثيرا من السلوكيات السيئة والسلبية لأفراد نعرفهم شخصيا ونضطر إلى اللقاء بهم في المناسبات والاجتماعات، ولكننا لعجزنا الاجتماعي عن مواجهتهم ندنس آذاننا بعباراتهم الممجوجة عن الإصلاح والنزاهة والوطنية. إن كثيرا منا لا بد أن مر بهذا الموقف ولكنه يقع في حيرة شديدة عندما ينطلق شخص (أفقده الله النزاهة أو الشجاعة أو الصدق) محللاً وموجهاً غيره إلى الطريق الصحيح. لماذا لا تكون لنا الثقة بالنفس، وبالتالي قول الحق وإيقاف مثل هؤلاء الأشخاص عند حدهم؟ ولماذا نستمر في مجاراة تاريخنا وقيمنا الاجتماعية القائمة على السكوت واعتبار أن هذا اللقاء أو الاجتماع حدث عابر لا يستحق معه خسارة الآخرين، وبالتالي نطبق المثل الشهير ''اسمع وارمي بالخرج''؟
إن هذا السلوك الاجتماعي السيئ، والخنوع الاجتماعي الجبان، أصبح ظاهرة تزداد نظراً لزيادة أعداد الفشارين والكذابين وراكبي موجة الأخلاق والإصلاح. إن السؤال المهم والمشروع هو كيف يدعي النزاهة وينتقد الفساد من هو منغمس في ذلك من رأسه إلى أخمص قدميه بدءا بقصره وما يحتويه من سيارات وخدم وحشم، ومرورا بشركاته ومؤسساته وما تلهفه من مشاريع ومناقصات حكومية عن طريق الرشوة والمحسوبية، وانتهاء باستراحته أو مزرعته التي يمدد فيها رجليه وحوله جوقة التنابلة وماسحو الجوخ. حيث يطلق في هذه الاستراحة أو المزرعة رشاشه اللفظي على الكبير والصغير لا يستثني أحدا إلا من رحم ربي. يوجه هذا وينتقد ذاك، ويرسم السياسات ويضع الخطط والبرامج وكأنك تستمع إلى ملاك يمشي على الأرض. يسخر من الفقير لأنه لم يستطع أن يكون نفسه حسب قوله مع أن أحد أسباب فقر هذا الفقير هو وجوده وأمثاله. وعندما يكون هناك مسؤول لا يتماشى مع رغباته وفساده فإنه يضعه على مشرحته ويسل سكاكين افترائه عليه، حيث يعرضه لوابل من الانتقادات والقصص المفبركة بهدف إرهابه وإخضاعه. وعندما تكون بوصلة مزاجه في اتجاه آخر فإنه لا مانع من أن يعرج على تقسيمات المجتمع وطبقاته ويصدر أحكامه التي تحوي كل شيء إلا الحق والعدل. من منا لم يمر بهذه الحالة البائسة ويصمت محتارا ومتخوفا من الفضيحة الاجتماعية لو أنه أوقفه عند حده وألقمه صخر الحقيقة والصدق. إن من أسباب هذا السكوت أن هؤلاء يمتلكون الكثير من الجرأة، وكذلك الأنصار القادرون على طحن وفرم من يقف أمامهم وذلك باستغلال البيئة الاجتماعية التي تفضل السكوت وعدم معارضة نخبة القوم أو أصحاب الوجاهة الاجتماعية الديكورية.
إن خطر وخطورة هذا السلوك لم يعد مقتصرا على أمور فردية يمكن تجاوزها، ولكنه وصل إلى أمور ذات مساس بالصالح العام. فهم ــــ أي المتبجحين ــــ لا يمانعون من شتم واستعداء الآخرين على دعاة الإصلاح في قضايا عادلة مثل محاربة الفساد المالي والإداري، وحقوق المرأة، وإجبار القطاع الخاص على توظيف الشباب السعودي، أو محاربة الإقليمية والعصبية. وكل ذلك يتم باسم الإسلام وخصوصيتنا المفترى عليها.
إنهم يتكلمون عن الخلق الإسلامي والعربي وهم يسكنون القصور التي تكلف مئات الملايين، بينما أقرباؤهم المقربون يعانون عدم القدرة على دفع قسط الإيجار أو توفير مستلزمات أبنائهم المدرسية.
إننا نعيش حالة خطيرة من تفشي هذه النوعية من الناس وزيادة تأثيرهم الاجتماعي، بينما الأكثرية يحطمها الجو الاجتماعي الخانق الذي يمنعهم من مواجهتهم ولو بالكلام وهو أضعف الإيمان. إننا نعيش في واقع يسير فيه الأمر باتجاه واحد أي طريقone way ينطلق من أقلية آخذة في تزايد وأكثرية صامتة. إن أعظم خطورة منهم ــــ إضافة إلى إفسادهم المباشر ـــ هو اتخاذهم قدوة عند بعض الأجيال الشابة التي ترى نجاحهم المادي نموذجا يحتذى به. وأصبحت مقولة ''دبر حالك'' و''لا تصير حنبلي'' لزمة لغوية تدور بين المعارف والأصدقاء. إنها كارثة أخلاقية يجب إيقافها قبل فوات الأوان.
إنهم بكل أسف يتصدرون المجالس والمناسبات ويسيّرون القرارات ويطردون من المحيط الاجتماعي أضدادهم في السلوك والقيم. إنه واقع يحقق المبدأ المشهور ''العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق''. لذا فإن من يحب ويرغب في وجود سوق حر نزيه عليه أن يعمل على إحراق هذه العملات الرديئة كما تفعل البنوك المركزية ''الحكومية'' في دول العالم.. فهذا هو الحل.
ماذا لو؟
ماذا لو بدأنا بالنشء لتعويدهم على قول الحق وذلك بإنشاء مجالس وآليات تقويم يستطيع من خلالها الطلبة تقييم سلوك ومهارات مدرسيهم واعتبار ذلك ضمن منظومة العملية التربوية التي تقوم عليها المدارس.
