الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 27 مايو 2026 | 10 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

رفع سقف الدين.. خطوة في مسيرة انحدار الدولار

صالح السلطان
صالح السلطان
الاثنين 8 أغسطس 2011 3:25

خفضت وكالة ''ستاندارد آند بورز''، آخر الأسبوع الماضي التصنيف الائتماني للولايات المتحدة. وهذه سابقة. وللفائدة، تلك الوكالة مشهورة في تأثير تصنيفها الائتماني للدول. وتواصلت حالة التذبذب وعدم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية. وكانت الأسواق قد شهدت تراجعات حادة مع نهاية الأسبوع الماضي، بفعل أزمة الديون في منطقة اليورو، وتباطؤ الانتعاش في الاقتصاد الأمريكي والأوروبي.

عندما يتعرض الاقتصاد الأمريكي، لاضطراب، فإننا لا نتوقع إلا مزيد مشاكل ومخاطر. كان هذا من تعليق رئيس وزراء روسيا بوتين على توصل الكونجرس والبيت الأبيض قبل أسبوع إلى اتفاق لرفع سقف الدين الفيدرالي الأمريكي.

ينص الدستور الأمريكي على تخويل الكونجرس وحده سلطة الاقتراض لصالح حكومة أمريكا. ويبلغ سقف الدين حاليا قرابة 14300 مليار دولار، وسمح للحكومة الفيدرالية باستدانة 2100 مليار دولار. وتقرر عمل تخفيضات في نفقات الميزانية الفيدرالية بالحجم ذاته، في السنوات العشر المقبلة. وتقرر دراسة إصلاحات ضريبية تسمح بتحقيق عائدات إضافية.

ولكن ما طبيعة الدين الأمريكي؟ موضوع طويل، ولنركز على قضية تحويل النحاس إلى ذهب. أعني الورق الرخيص إلى ورقة نقدية ثمينة.

نحو نصف الدين العام الأمريكي مصدره أو مملوك لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. يمول مجلس الاحتياطي جزءا كبيرا من عجز الميزانية الفيدرالية، بإصدار مزيد من النقود. طبعا التكلفة لإنتاج هذه النقود زهيدة.

يمول العجز بإصدار مزيد من النقود أحيانا من خلال ما يسمى التسهيل الكمي. وهو تعبير ملطف لسياسة نقدية تقوم على زيادة العرض النقدي عبر شراء البنك المركزي (من النقود التي يملك حق إصدارها أي صناعتها) سندات الحكومة من البنوك. ويمكن النظر إلى التسهيل الكمي على أنه صورة إلكترونية من طبع النقود.

عندما تستدين الحكومة لتسديد ديون مستحقة، فإن العملية غير قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية. وحتى تخرج الحكومة من هذه الورطة، عليها إما أن تزيد من الضرائب ونحوها أو تجني المزيد من الأموال عبر فرض أسعار على خدمات وسلع كانت مجانية، أو تخفض الإنفاق أو تبيع بعض ممتلكاتها أو تبادل سندات ديون بنقود إصدار مزيد من العملة.

قلت سابقا تحويل النحاس إلى ذهب. فما المقصود؟

إبان حملته الانتخابية، أعطى الرئيس الأمريكي أوباما وعودا في إعادة بناء الاقتصاد الأمريكي. وكان السؤال كيف؟ من الأجوبة تحويل النحاس إلى ذهب. سياسة سير عليها خلال ما مضى من ولاية الرئيس.

اعتمد نمو الاقتصاد الأمريكي لسنين طويلة على توسع الأمريكان في الاقتراض، ذلك لأن الأجور الاسمية والحقيقية لم ترتفع بما يجاري ازدهار الاقتصاد تلك السنوات الماضية، ولذا كان الاقتراض أهم عامل في نمو المستوى الاستهلاكي، وطبعا يشكل الاستهلاك نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي.

نمو الديون فاق نمو الدخل، حيث لم يعد لدى المستهلكين الأمريكيين فرصة لمزيد من الديون. ما فائدة خفض سعر الفائدة، إذا لم يكن بإمكان الناس الاقتراض أكثر لشراء المزيد من السلع والخدمات؟

كانت الإجابة بأنه ليس المطلوب شراء المزيد، ولكن بقاء ما كان.

في مناوشات الساسة الأمريكيين حول مشكلة رفع سقف الدين في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، تجاذب الديمقراطيون والجمهوريون في الحل الأنسب. الأولون يريدون زيادة الضرائب، والأخيرون يرون خفض الإنفاق، وكان لهم ما أرادوا في صفقة رفع سقف الدين.

لسنين طويلة اعتمدت الحكومة الأمريكية على الأجانب لتمويل عجز ميزانياتها، وتركيزا الصينيين واليابانيين ودول الخليج. تلك الدول لديها فائض تجاري في معاملاتها مع أمريكا، ويعاد استعمال جزء كبير من الفائض لشراء أوراق حكومية أمريكية، وخاصة أذونات الخزانة.

إلى متى سيستمر الوضع هكذا؟

لن يستمر إلى ما لا نهاية.

ماذا فعلت أمريكا؟ طبع المزيد من النقود، أو بعبارة أدق، خلق (صناعة) مزيد من النقود.

ويبدو أن الاحتياطي يصنع النقود بكميات هائلة جدا، ولكن بتكلفة (إنتاج) منخفضة جدا. وهذا يذكرنا بحكاية تحويل النحاس إلى ذهب، لو كان ذلك ممكنا.

أتعرفون الحكاية؟ شاع في القديم أن المشتغلين بالكيمياء (الكيماوية) يحاولون تحويل النحاس إلى ذهب، بالغش والخداع، ولهذا حرم فقهاء الكيمياء في وقتهم (محاولة تحويل النحاس إلى ذهب)، قال الإمام ابن تيمية في فتاواه تحت باب الحسبة: ''ومن هؤلاء ‏''‏الكيماوية''‏ الذين يغشون النقود والجواهر والعطر وغير ذلك فيصنعون ذهبًا أو فضة، وكانت المخلوقات من المعادن والنبات والدواب غير مقدورة لبني آدم أن يصنعوها، لكنهم يشبهون على سبيل الغش‏.‏ وهذا حقيقة الكيمياء''.

كثيرون يرون أن الأزمة المالية وتداعياتها عملت وتعمل على الحد من نفوذ أمريكا، ولكن آخرين يرون أن أمريكا تلعب لعبتها لتستفيد من الأزمة، أو قد يقال تصنع أزمة تستفيد منها.

الأزمة لها صناعها. زعماء (أحزاب وغير أحزاب) يريدون الوصول إلى السلطة أو التشبث بها أو تلميع صورتهم أمام الناس. هم يعرفون أن الناس ينظرون للحكومة كما ينظر الطفل إلى أبيه. أرادوا تحقيق أهدافهم، ولا يمكنهم ذلك دون إرضاء الناس بالعاجل ولو بما لا تحمد عقباه آجلا. والناس لا يرغبون سماع ما لا تحمد عقباه آجلا.

أحداث زيادة سقف الدين الأمريكي أعطت إشارات قوية حول قضية أو نقطة يؤمن بها الكثيرون بقوة: لم يعد يستحق الدولار أن يكون عملة الاحتياطي العالمية. كثر الحديث عن بديل أو عملة احتياطية أخرى. حقيقة لا توجد عملة مؤهلة لهذه المكانة في وقتنا هذا، لكن الكثيرين يتنبأون لعملة الصين أن تكون كذلك بعد سنوات قلت أو كثرت.

وبالله التوفيق،،،

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية